المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عثمان نشأت
ما الذي يخفيه التضخم للاقتصاد الأوروبي ؟
نقف الآن لحظات صمت نفكر في بيانات التضخم الأوروبية ومؤشرات سعر المستهلك بأنواعها المختلفة ناظرين بعين الشفقة على المستهلك في أوروبا. كانت ضريبة ألمانيا في أن تتحدى العالم بصادرات ووظائف كثيرة خلال بداية هذا العام تضخما ً وصل إلى 3.3% بالقيمة المعدلة ومؤشر سعر مستهلك تضخمي عند قيمة 3.1% . وفي أوروبا مجملها ارتفع مستوى التضخم ليحقق 3.6% أكثر من المتوقع من قبل الجهات المعتمدة الأوروبية في حين وصل مستوى التضخم الجوهري المعدل السنوي إلى 2.0% .
ارتفاع مؤشرات سعر المستهلك لم يكن ناتجا ً عن ارتفاع كبير في القدرة الشرائية وارتفاع في الدخل الفردي بما يكافئ هذا التضخم , بل كان السبب هو ارتفاع سعر النفط إلى مستويات قياسية وكذلك ارتفاع سعر الغذاء بشكل مستمر دفع بسلة المستهلك الذي يشكل فيها الغذاء نسبة ليست بقليلة إلى مستويات قياسية .
نمو اقتصادي بمقدار 1.4% , هذا ما يتوقعه صندوق النقد الدولي في أوروبا خلال 2008 , من جهة أخرى وهي التي تعتبر النظرة المتفائلة , فإن توقعات المركزي الأوروبي بان ينمو الاقتصاد بنسبة 1.6% خلال عام 2008 . وهذا لم يكافئه ارتفاع في الأجور والرواتب بما يتناسب مع هذا التضخم في كثير من الدول الأوروبية .
من معالم الركود الاقتصادي وصول الأسعار إلى حد لا يمكن للمستهلك أن يقدم على شراء الحاجات الأساسية لديه بشكل كاف ٍ , بالطبع هذه الحالة هي قاع الركود الاقتصادي وفي خضم الفساد في الاقتصاد . لكن أوروبا ليست في ركود , بل إنها في وضع أفضل من معظم الدول العظمى العالمية في متانة الاقتصاد . لكن وبنفس الوقت ترافق التضخم المرتفع جدا ً بتباطؤ في الاقتصاد العالمي وتباطؤ في كل دول أوروبا دون استثناء . فبالرغم من نمو الاقتصاد الألماني واستمرار تقدمة مع بداية هذه السنة , إلا عن البيانات الاقتصادية التي أصبحت تظهر اتجهت اتجاها ً سلبيا , لكن هذا الاتجاه لم يصل بعد إلى مرحلة الخطر .
إن الوضع الاقتصادي الأوروبي ما زال جيدا ً , هذا ما يقوله المستثمر , وهذا ما يراه العالم . لكن دعونا نسأل المستهلك الأوروبي, ففي العديد من الدول الأوروبية يتم رفع الرواتب والأجور ليتناسب مع الأوضاع المعيشية فهنا نلاحظ إن التضخم لا يظهر بشكل جلي لدى المستهلك كقيمة تضخمية غير محتملة. لكن يلاحظ إن المستهلك لا يقدم على الإنفاق كما يجب. فحتى مع ارتفاع الأجور فقد تعود المستهلك على ارتفاع بوتيرة معينة في الأسعار ارتفعت كثيرا ً خلال هذه السنة فحتى لو كان هنالك ارتفاع في الأجور إلا إنه من المتوقع أن يحصل انخفاض واضح في الإنفاق.
أين المشكلة إذن في تضخم مرتفع ؟ ما دام وضع المستهلك جيد ولم يلاحظ بعد سوء الوضع التضخمي ؟ ولماذا يركز البنك المركزي على التضخم ...
إن هذه الأسئلة المهمة مرتبطة مباشرة في النمو الاقتصادي , حاليا ً ما زالت أوروبا تعيش في نعيم النمو الاقتصادي لعام 2007 والربع الأول من عام 2008 , لكن ما الذي سوف يحصل إن انخفضت كفاءة الاقتصاد الإنتاجية والتشغيلية بسبب تباطؤ اقتصادي ؟ المتوقع هو حصول نمو بين 1.6 و 1.4% بين توقعات صندوق النقد الدولي والمركزي الأوروبي, وهذا التباطؤ الاقتصادي الذي نلاحظه بانخفاض في الناتج المحلي الإجمالي من قيمة 2.2% إلى هذه المستويات. انخفاض الناتج يتبع انخفاض في الإنفاق والتشغيل, وهو ناشئ عن انخفاض في الإنتاجية ويتبعها قلة الطلب على الوظائف ومن ثم انخفاض في الأجور. وهنا تحل الكارثة .
لو ضمن البنك المركزي الأوروبي استمرار النمو كما كان في الأعوام السابقة لما وضع مستوى التضخم في جملة كان آخرها " وضع خطر " . فبالرغم من إن الاقتصاد ما زال قائما ً وفي حالة جيدة نسبيا ً فإن بقاء التضخم عند هذه المستويات سوف يستنزف الاقتصاد في أي حالة من حالات التباطؤ الاقتصادي إذا استمر لفترة زمنية متوسطة الأمد . وهنا سوف تتلاشى الطبقة الوسطى من عامة الشعب ويكثر عدد الذين ينتمون إلى الطبقة الفقيرة بسبب ارتفاع مستوى حد الفقر مع انخفاض الطلب على الوظائف وقلة الأجور . وهذا سوف لن يكون علاجه سهلا ً وقد يأخذ سنوات عديدة خصوصا ً مع تراجع منح القروض الاستهلاكية والاستثمارية من قبل البنوك التجارية التي أصبحت تضع قوانين أكثر صرامة .
هل هذه نظرية جديدة أحاول وضعها في كتب الاقتصاد ؟ بالطبع لا عزيز القارئ . التضخم الذي ينشأ من طفرة هو أسوأ أنواع التضخم إذا استمرت الطفرة لفترة طويلة والطفرة كانت بسعر برميل النفط الذي وصل إلى يومنا هذا سعر 114 دولارا ً للبرميل الواحد . ودورة الأعمال ودورة السلع في أي شركة تمر في الطاقة والتي تأثرت بارتفاع سعر النفط . من جهة أخرى أضاف ارتفاع سعر النفط تكاليف ثابتة ومتغيرة على المصانع الإنتاجية . لكن حتى الآن استطاع المستهلك تحمل ذلك . لكن عند أول انخفاض ملموس في الناتج المحلي الإجمالي متأثرا ً بالأوضاع الاقتصادية المتدهورة عالميا ً سوف يؤدي إلى خسائر كبيرة في الشركات لارتفاع الوظائف نسبيا ً وارتفاع سعر المواد الأولية للإنتاج .وهنا نستطيع تقدير حجم العمالة حينها ونستطيع تقدير انخفاض الطلب على الوظائف الجديدة وبالتالي انخفاض الأجور . وهذا كله مع وجود التضخم سوف يؤدي إلى انهيار السياسات المالية في البنك المركزي بسبب عدم استطاعته التحكم في آن واحد في انخفاض كبير في الناتج المحلي الإجمالي يرافقه تضخم وهذا سوف يقود إلى ركود تضخمي ( Stagflation) .
قد تجدني متشائم جدا ً في موضوعي هذا , لكن أحب النظر إلى المستقبل قليلا ً , فذكرت في موضوع سابق بأن الاقتصاد الأوروبي اعتاد الضعف والتباطؤ بعد أن يدخل الاقتصاد الأمريكي في هذه الحالة بفترة من الوقت . إذن نتوقع على مدى 6 إلى 12 شهر أن يحصل انخفاض كبير جدا ً في الكفاءة الاقتصادية الأوروبية. وهنا إن كان التضخم مرتفعا ً فالسلام على اقتصاد ساد فيه على الاستثمار الأمان . وبالتأكيد فالبنك المركزي الأوروبي يعلم ذلك . فإن استطعت اشتقاق هذه التوقعات من معلومات قليلة بين يدي يطرحها البنك المركزي الأوروبي والجهات الرسمية , فتخيل ما مدى دقة البيانات المتواجدة بين أيد أعضاء البنك المركزي الأوروبي . وهنا عرفنا لماذا كل هذا التركيز على التضخم بالرغم من إن الاقتصاد في حالة شبه متوازنة إلى هذه اللحظة .
أصبح تخفيض الفائدة المرجعية شبه مستحيل , بل إن توقعات جديدة ظهرت بان يتم رفع الفائدة المرجعية وليس تخفيضها في البنك المركزي الأوروبي . وبالرغم من إن الكلام عن رفع في الفائدة سابق لأوانه إلا إن هذا تابع عن تصريحات صدرت مترافقة مع بيانات التضخم بان تخفيض الفائدة لم يعد بالإمكان رؤيته على مد النظر ! أي خلال 2008.
سعر فائدة لا يقل عن 4.00% , هذا ما نحن متأكدون منه على الأقل حتى بداية الربع الثالث من هذه السنة إلا في حال ظهرت أي مستجدات على الوضع الراهن في أن رفع البنك المركزي توقعاته لمتوسط التضخم ليصل الى 2.9% بعد أن كان هذا المتوسط عند قيمة 2.5% .