الفصل الثالث : لماذا من الصعب الإقلاع؟
كما شرحت سابقاً، لقد أصبحت مهتماً بهذا الموضوع بسبب إدماني الشخصي على التدخين ، و عندما أقلعت أخيراً كان ذلك بمثابة السحر.
عندما كنت أحاول الإقلاع قبل ذلك كانت تمر علي الأيام وهي مليئة
بالإكتئاب والشعور بالفراغ، ولا أنكر مرور بعض الأيام وأنا بحالة مزاجية جيدة ولكن في اليوم التالي كنت أعاني مرة أخرى من الإكتئاب. لقد كان الأمر كالأرضية اللزجة فكلما أهم بالقيام و أمشي خطوتين أعود وأتزحلق مرةً أخرى. ومن ثم تقوم بإشعال السيجارة من جديد، طعمها يكون مقرفاً بعد الإبتعاد عنها لفترة، ولكنك تحاول أن تفهم عندها لماذا عليك أن تفعل ذلك مجدداً.
أحد الأسئلة التي أسئلها للمدخنين خلال جلسات الإستشارة وهو " هل تريد أن تقلع عن التدخين؟" بشكل أو بآخر يبدو سؤالاً غبياً. إن كل المدحنين بلا إتثناء لديهم الرغبة بالإقلاع عن التدخين، وإذا قمت بسؤال أي من المدخنين إ ذا عاد بك الزمن إلى الوراء قبل ان تتعلق بهذا الشكل بالتدخين و كان لديك ما تملكه الآن من معلومات عن تجربة التدخين هل كنت ستدخن، فالجواب سيكون" بالطبع لا".
إسالهم كذلك وخصوصاً الذين يعتقدون أن التدخين لا يضر بالصحة و الذين لا يهتمون للأضرار و الخسائر الإجتماعية " هل كنت ستسمح لأولادك بالتدخين" فالجواب سيكون" بالطبع لا".
إن كل المدخنين يشعرون أن هنالك شيئاً شريراً قد تملكهم وإستحوذ عليهم، في الأيام الأولى كانت المسألة مجرد تساؤل عن فكرة "سوف اقلع بكل تأكيد ولكن ليس اليوم بل غداً".
و لكننا وصلنا لمرحلة أننا أصبحنا ، نعتقد بأننا لا نملك الإرادة القوية و الكافية للإقلاع عن التدخين و أن هنالك شيئاً متأصلاً بالسيجارة لابد لنا من الحصول عليه لكي نستمتع بحياتنا.
فكما قلت سابقاً، ليست المشكلة في شرح لماذا قد يكون الإقلاع عن التدخين سهلاً، بل في شرح لماذا يكون الإقلاع عن التحين صعباً، وفي الحقيقة إن المشكلة الحقيقية هي بتفسير لماذا يقوم أي شخص بالتدخين بالمقام الأول أو لماذا أكثر من 60% من سكان العالم يدخنون.
إن موضوع التدخين هو بمثابة اللغز، وإن السبب الوحيد الذي جعلنا ندخن هو أن الألاف من الناس يدخنون، مع أنهم جميعاً يتمنون أنهم لم يدخنوا أصلاً من البداية ويخبروننا أنها مضيعة للمال و الوقت.
وأنهم يخبرون أبنائهم دائماً بأنه عليهم أن يتجنبوا التدخين.
بعد ذلك نقع بذلك الفخ الذي سنمضي حياتنا ونحن ندفع الثمن غالياً من أجله ، أن الشخص الذي يدخن بمعدل 20 سيجارة في اليوم الواحد يقوم بدفع ما قيمته 75000 دولار على التدخين (صندوق توفير الموت البطيئ ) ولو أنه تخلص من هذا المال في دورة المياة لكان أفضل له، ولكننا نستخدم هذا المال بشكل منظم و مقسط لتدمير رئتينا بالقطران المسبب للسرطان وبشكل ناجح ومضمون بسد شرايين الدم وكل يوم نقوم بتجويع كل عضلة و عضو داخل أجسامنا من الأوكسجين وباللمحصلة ندخل الجسم شيئاً فشيئاً في سبات عميق.
لقد حكمنا على أنفسنا مدى الحياة بالقذارة و رائحة الفم النتنة والأسنان الصفراء المقرفة و الملابس وألثاث المحروق ومنضدات السجائر الوسخة في رفقتنا دوماً ناهيك عن رائحة أعقاب السجائر المطفئة ( بالمناسبة يمكنكم سؤال زوجاتكم و أبنائكم عن هذا فهم يعانون من تلك الروائح القذرة أكثر منكم) . أنها عبودية لمدى الحياة .
نحن نمضي أكثر من نصف حاتنا كمدخنين ممنوعين من التدخين من قبل المجتمع ( في اماكن العمل، في المستشفيات، في المساجد، في المدارس و الجامعات ....) فعندها نشعر بالحرمان ، أما النصف الآخر فنضيه بمواقف يسمح لنا فيها بالتدخين ولكن نتمنى فيها اننا لم ندخن أصلاً منذ البداية.
ما هذا النوع من المتعة أو الهواية التي تمارسها وتتمنى أنك لا تمارسها ! وعندما لا تمارسها تحن إليها و تريد ممارستها. أنها معاملة من المجتمع لمدى الحياة وكأنك مصاب بالجذام والأسوأ من هذا هو الإحتقار المبطن و الغير ظاهر بالرغم من انه عقلاني و منطقي و ذكي في معظم الأحيان.
إن المدخن يحتقر نفسه و يشعر بالذنب كل يوم عند شراءه علبة السجائر و في اليوم العالمي لمكافحة التدخين و في كل مرة يقرأفيها تحذير من مخاطر التدخين و حملات مكافحة سرطان التدخين ، و في كل مرة يشعر فيها بالألم في صدره ، وفي كل مرة يجد فيها انه المدخن الوحيد في مكان العمل، فعليه دائماً أن يعيش مع هذه الظلال السوداء بينه و بين نفسه، فمالذي يحصل عليه في مقابل كل هذا ؟ لا شيء على الإطلاق!
الترفيه ؟ المتعة؟ الإسترخاء؟ النشاط؟ تفتيح المخ؟
كلها أوهام، إلا إذا إعتبرت أن لبس الحذاء الضيق يشعر بمتعة و راحة للقدمين عند خلعه !
فكما قلنا ، المشكلة الحقيقية هي ليست فقط بمحاولة شرح و تفسير لماذا يجد المدخن انه من الصعب الإقلاع عن التدخين ، بل و بشرح وتفسير لماذا المدخن يدخن أصلاً؟
لعلك تقول الآن " هذا كله صحيح ، أنا أعرف كل هذا ، ولكنك متى تعلقت بهذه الأشياء ، فإنه من الصعب عليك الإقلاع عنها". ولكن لماذا يعتبر الإقلاع صعباً ولماذا علينا التدخين؟ إن المدخنين يبحثون عن الإجابة عن هذه الأسئلة طوال حياتهم.
البعض يقول أن الأمر بسبب الأعراض الإنسحابية ، وفي الواقع إن الأعراض الإنسحابية الحقيقية الناتجة من النيكوتين هي خفيفة للغاية كما سترى في الفصل السادس و لكن كل المدخنين لا يدركون في حياتهم أو حتى بعد مماتهم أنهم كانوا مدمنين مخدر.
و البعض يقول أن السجائر ممتعة و هي ليست كذلك، فهي قذرة و نتنة و مقرفة في آن واحد . إسأل أي مدخن لو أن النوع الذي يشربه من السجائر إنتهى لديه فهل سيستمتع بأي نوع أخر بديل، بل يقول لك أن طعمها مقرف ، ولكن هل هذا سيدفعه إلى الإقلاع، إنه على إستعداد أن يدخن أي نوع من الحبال على أن لا يدخن إذا لزم الأمر.
فالمتعة ليس لها أي علاقة بالسجائر على الإطلاق ، أحضر أي حيوان قطة او كلب على سبيل المثال و انفث دخانك بوجهه ماذا يتكون ردة فعله !
أنا شخصياً أستمتع بأكل السمك ، و لكن لم أصل لمرحلة أن أضع 20 سمكة حول رقبتي كل يوم بعد. فهنالك العديد من الأمور التي نستمتع بها إثناء تأديتها أو إستعمالها في الحياة ولكن ولكن إذا لم نفعلها أو لم تتواجد لا ينتابنا شعور بالحرمان و الخوف من عدم تواجدها.
البعض يربط الأمر بالحاجة النطية الفطرية و هي " كلنا عندما كنا أطفال تعودنا على إمتصاص الحليب من صدر الأم" ومن باب التعويض الفطري فإننا نحتاج للسيجارة حتى نقوم بإمتصاصها ، إن كان هذا صحيحاً فأنا أدعوك لأن تأخذ لهاية الأطفال الرضع و تستعملها علانية، هل ستفعل، أعتقد أنك ستموت من الحرج. فمن السخرية أن نربط التدخين بالإمتصاص و الحاجة الفطرية للبقاء على قيد الحياة.
و البعض يشعر بالرجولة و القوة إذا نفث السجائر و خصوصا عند خروجها من الأنف ، إذا كان ذلك حقيقياً لماذا لا تضع السجائر داخل أذنيك لتزداد رجولةً و قوة !
أعتقد أنه الأمر سيبدو بغاية السخافة إذا علمت أنك تستنشق وتتنفس زناد السرطان و القطران بإطلاقه إلى الرئتين مباشرة.
:::يتبع بإذن الله:::