بيع الماء.."عمل إرهابي"
يبدو أن الماء سيتحول خلال هذا القرن إلى أهم مادة خام، وقد يفوق التنافس عليه الصراع من أجل النفط أو أي من المعادن الثمينة والثروات الطبيعية الأخرى، ويعزز من ذلك أن مؤسسات التمويل الدولية تضغط على الدول النامية -ومنها العربية- لخصخصة المياه العذبة وتحويلها لسلعة في السوق تحت زعم المحافظة على هذا المورد واستعماله بشكل رشيد، دون النظر إلى الأبعاد الاجتماعية والصحية.
وتكمن خطورة تحويل الماء إلى سلعة في أنها ستصبح خاضعة لقواعد العرض والطلب، مما سيرفع ثمنها، وهو ما يعرض فئات مجتمعية فقيرة للخطر، فقد لا تستطيع شراء كوب من الماء تحصل عليه الآن إما مجانا أو بمقابل رمزي، حيث تتحمل الحكومات معظم تكلفة توصيل المياه النقية للمجتمع، على اعتبار أنه حق إنساني كفلته المواثيق الدولية.
ولعل ذلك دفع المفكرة الهندية فاندانا شيفا -أبرز معارضات العولمة- إلى القول بأن بيع ماء الشرب "عمل إرهابي".
ولأن الأمر يتعلق بمورد لا يمكن لأي إنسان أن يستغني عنه فقد جاءت استجابة الحكومات العربية لمطالب المؤسسات الدولية بخصخصة المياه -كجزء من تحرير قطاع الخدمات- ضعيفة ومترددة.
ففي البحرين والسعودية سمح للقطاع الخاص بتنفيذ بعض مشاريع مائية مثل محطات التحلية، أما في الأردن فهناك شركات غربية بدأت تدخل في مشاريع المياه، وفي مصر والمغرب ما زالت القضية في نطاق النقاش، لا سيما أن البلدين بهما كثافة سكانية عالية ومستوى دخل منخفض، قد لا يمكن كثيرا من الأفراد من شراء المياه حال خصخصتها.
المستفيد الأكبر
وخلف هذا الدفع العالمي للدول النامية -ومنها العربية- لخصخصة الماء يبدو المستفيد والمحرك الأكبر لهذه القضية هي كبريات الشركات الدولية التي بدأت تضع الماء أو كما يسميه البعض "الذهب الأزرق" داخل دائرة اهتماماتها، وحولته بالفعل إلى سلعة من خلال تصدير أزمة المياه بأشكال مختلفة.
ويعتبر المؤتمر الدولي للماء الذي عُقد عام 2000 في هولندا بداية تحويل الماء من مورد طبيعي متاح للجميع إلى سلعة تجارية؛ وهو ما يعني فتح الباب على مصراعيه أمام الشركات العملاقة لاستغلال الحاجة الماسة إلى واحد من أهم ضرورات الحياة، وبالتالي حصولها على أرباح خيالية ومضمونة، دون مراعاة حقوق البشر في الحصول على مياه نظيفة.
وقد أيدت مفاوضات منظمة التجارة العالمية هذا التوجه خلال جولة الدوحة في عام 2001، حيث دعمت فتح الباب أمام القطاع الخاص للدخول في مجالات الخدمات العامة، مثل المواصلات والاتصالات والطاقة والماء، بغض النظر عن خصوصيات الدول، أو أهمية تلك المجالات في حياة المواطن العادي.
وإذا كان الاتحاد الأوربي قد أقر بأن الماء سلعة يمكن للشركات الخاصة أن تتعامل فيها كأي سلعة أخرى، فهو يدرك أن لديه أجهزة رقابة قوية قادرة على ردع تلك الشركات إذا أخلت بواجباتها سواء من ناحية الأسعار أو النوعية.
كما أن المواطن في الدول الديمقراطية يمكنه الاعتراض على خدمات تلك الشركات إذا ما أحس بتقصير أو سوء في الخدمات. هذا بغض النظر عن أن بلدان الاتحاد الأوربي لا تعاني أصلا من شح المياه، مثل إفريقيا أو بعض بلدان الشرق الأوسط مثلا، كما أن ارتفاع مستوى المعيشة في الدول الأوربية يجعل المواطن لا يحس بالفارق المادي سواء استهلك ماء من الصنبور أو اشتراه معبئا.
استغلال سافر
في المقابل، فإن المستهلك في الدول النامية لا يمكنه فعل ذلك، بسبب البيروقراطية وعجز منظمات المجتمع المدني في تلك الدول عن الوقوف في وجه أي استغلال سافر لشركات بيع المياه؛ وهو ما يعني في النهاية أن المواطن في تلك الدول لا يوجد لديه إلا خياران، إما الموت عطشا أو مرضا بسبب الماء غير النقي، أو أن يدفع ثمن بقائه على قيد الحياة في سلعة من المفترض أن يحصل عليها مجانا أو بمقابل رمزي. فعلى سبيل المثال فإن شركة "تايمز ووتر" التي حصلت على امتياز توزيع مياه الشرب على نصف سكان العاصمة الإندونيسية جاكرتا؛ بسبب ضلوع أحد أبناء الرئيس السابق سوهارتو في الحصول على هذا الامتياز مقابل 5%، تمت ملاحقتها 24 مرة من قبل وكالة البيئة في بريطانيا بتهمة تلويث مياه شرب. وتذخر مكاتب المسئولين في هذه الشركة بمئات الشكاوى من المواطنين من سوء خدماتها، ودفعت غرامات مالية بلغت 79 ألف جنيه إسترليني، بعد نظر تلك الشكاوى المقدمة ضدها في ساحات المحاكم، علاوة على أنها مسجلة في القائمة السوداء كأحد الشركات الملوثة للبيئة. وبالتأكيد فإن هذه الشركة بسجلها الحافل بالمخالفات ما كان لها أن تنتشر إلا في الدول النامية مستغلة وساطات النخبة القوية هناك وذوي النفوذ، دون أن تعبأ بعقوبة رادعة. ومن أبرز الشركات التي اقتحمت تجارة الماء بلا هوادة الفرنسيتان فيفيندي Vivendi وسويز Suez ونستله السويسرية والألمانية "آر في إي" RVE التي دخلت الحلبة تحت أكثر من اسم، وإذا كانت شركة مثل نستله السويسرية قد حققت في عام 2002 من التجارة في الماء 5 مليارات دولار فإن خبراء الاقتصاد يقولون بأن مثل تلك الأرباح تستحق اقتحام هذا المجال والإنفاق مسبقا فيه، فالمادة الخام -أي الماء- يمكن الحصول عليها بأرخص الأسعار وتعبئته بعد تنقيته لا تكلف الكثير، أما المستهلك فسيدفع الثمن طوعا أو كراهية(1).
استهلاك وأرباح خيالية
وما يزيد المشكلة تعقيدا أن الماء الصالح للشرب على مستوى العالم يتناقص بسبب ارتفاع معدلات الاستهلاك العالية في الدول الصناعية والنامية على حد سواء، وبدلا من تمويل عمليات تنقية المياه المستعملة هبت الشركات الكبرى للاستيلاء على ما بقي من ماء صالح للشرب لتتاجر فيه، لتزيد من تفاقم المشكلة.
وما من شك في أن الرأسمالية المستغلة لا تنظر إلى الصالح العام بقدر ما تنظر إلى العائد من الأرباح، فالمشكلة تكمن في الدول النامية التي تفتح الباب على مصراعيه أمام تلك الشركات دون إلزامها مثلا بدعم عمليات تطهير المياه المستعملة أو تخصيص جزء من أرباحها الخيالية لصالح تنمية موارد جديدة للماء يمكن للعامة الاستفادة منها.
فطبقا لتقارير البنك العالمي خلال عام 2004 يحتاج العالم إلى 180 مليار دولار سنويا لتوفير الماء الصالح للشرب، بينما لا يتوفر سوى ما بين 60 و80 مليار دولار، أي أقل من نصف المبلغ المفروض، وتقع الدول النامية بالطبع ضحية ذلك النقص.
فلو أن الشركات العاملة في مجال بيع المياه جادة، فلماذا لا تساهم في العجز السابق؟ فبنظرة سريعة إلى أرباح تلك الشركات نجد أنها تحقق أرقاما فلكية ولا تساهم بأي شكل ملموس في تمويل البرامج التي تطالب المنظمات الدولية بها لإنقاذ الملايين من الموت عطشا.
فقد حققت شركة "آر في إي RVE" الألمانية بشركاتها المائتين المنتشرة حول العالم أرباحا في عام 2002 بلغت 40 مليار يورو، و42 مليارا أخرى حققتها شركة سويز من بينها 10 مليارات من تجارة الماء فقط، واكتفت فيفندي بثلاثة عشر مليارا من تجارة الذهب الأزرق.
وإذا كانت الدول النامية لن تحصل على الماء إلا من خلال الشركات الدولية الكبرى بسبب الواقع المفروض عليها من قبل حكوماتها المنساقة وراء العولمة، فإن المؤسسات الأوربية العاملة في مجال التنمية تطالب بأن يراعي رأس المال متطلبات البلدان النامية وألا يكون مستغلا، إلا أن هذه المطالب تظل في عداد الأمنيات، حيث لم تعرب أي من الشركات الكبرى عن نيتها الاستثمار في مجال تنقية المياه أو معالجة المياه المستخدمة، على عكس ما توقعه البنك العالمي.
تهيئة السوق
فالشركات الكبرى تعمل أولا على تهيئة السوق الذي ترغب في اقتحامه بشن حملات إعلامية حول درجة نقاء الماء المحلي والمخاطر الصحية الناجمة من استهلاكه، وهي تتحدث هنا إلى النخبة في مجتمعات الدول النامية، أو ما يطلق عليهم في بعض الدول "أثرياء الانفتاح"، وما تبيعه تلك الشركات هناك ليس سوى مياه شرب عادية ولكنها نقية، وليست مياه معدنية.
وتتخفى تلك الشركات في هذه المرحلة وراء أسماء أخرى لا يظهر من خلالها أي طابع تجاري، حتى لا تنفر الرأي العام منها، بل وتمكنت في بعض الأحيان من الاستعانة بمسئولين من وزارات الصحة والبيئة في بعض الدول للمشاركة في تلك الندوات المنددة بأحوال الماء في السوق المحلية، ثم تأتي المرحلة التالية بعد ذلك بظهور المياه النظيفة المعبأة في الأسواق، فلا تجد صعوبة في التوزيع والمبيعات.
وما كان لتلك المأساة أن تتواصل بهذا الشكل، وأن تكون الانتقادات فقط من قبل جمعيات التنمية الأوربية، دون أن ترتفع الأصوات المنددة بتحويل الماء إلى سلعة لا يحصل عليها سوى القادرين فقط.
فكانت أصوات مناهضة العولمة التي تحذر من أن تحويل الماء إلى سلعة لا يختلف كثيرا عن القيام بعمل إرهابي.