الوطواط الأصغر: المحبط
نحن أمامنا ثلاثة صور للوطاويط:
-المحبط (بفتح الباء وكسرها)
- الحاقد
- مصاص الدماء
ولنبدأ بأقلهم شأناً ، لكنه أعلاهم صوتاً ، وأقربهم من الناس ، وأكثرهم تواجداً ، وإن كان أقلهم عدداً. هو متاجر دخل السوق بشكل أو آخر ، قد يكون قد منى نفسه بالثروة الطائلة ، نتيجة لنصائح الأصحاب ، أو متابعة لبعض الناجحين ، وقد يكون وضع في السوق كل ما يملك ، أو استدان مبلغاً كبيراً ، أو تصدى لتشغيل حسابات الأهل والمعارف. غير أنه لم يكن على قدر السوق ، فلم يحصل العلم الكافي ، أو لم يتمرس على الحسابات التجريبية وقتاً كافياً ، أو أعماه الطمع أو الخوف أو كلاهما ، أو كان عصبياً أو لم يكن يتحكم في مشاعره بشكل يتيح له النجاح ، فخسر ، ثم خسر ، ثم خسر ، فاسودت الدنيا في عينه ، ورأى في المنتديات ناجحين يدعون الناس للربح ، وربما تابع توصيات عدد من الأساتذة فخسر منها لعيب فيه وفي فهمه ، أو سار على استراتيجية لم يصبر عليها وعلى نتائجها ، فانتقل لغيرها ، ثم لغيرها كالمحموم يبحث عن ربح سهل سريع ، فصار الرجل مقسماً بين خسائر يمنى بها ، وأرباح يسمع بها من هذا وذاك ، وربما تكون الأرباح من العمليات نفسها التي خسر هو فيها ، لكنه دخل في الوقت الخطأ ، أو لم يصبر على الربح ، وصبر على الخسارة ، أو خالف شرط من شروط الاستراتيجية أو التوصية ، أو صادف عملية خاسرة خسر هو وغيره فيها ، فخرج من الاستراتيجية كلها ، أو ترك الأستاذ ، لينتقل لغيره ، بينما ربح من استمر وتحمل الخسارة العابرة.
أضف إلى ذلك الضغوط النفسية التي تثقل كاهله ، بسبب أهمية المال الذي خسره له ، سواء كان مملوكاً له أو لغيره ، وتزداد حالته النفسية سوءاً مع كل خسارة جديدة ، وقد يكون هو من قام بتعجيل النهاية حين رفع نسبة المخاطرة برفع قيمة الهامش العامل. فكانت النتيجة بعد هذا كله هي الفشل الذريع والخسارة الفادحة.
أما وقد أخرج من السوق بالمارجن كول ، أو بالخسارة التدريجية حتى يصير حسابه فارغاً ، فقد تفرغ لمتابعة العاملين في السوق ، وقد يكون لسان حاله يقول: خلنا نشوف الربع. فيجد الكثيرين ممن يتكلمون عن النجاح والربح ، فيجن جنونه:
- لا هم أذكى مني ، ولا أعلم مني ، كيف يربحون وأنا أخسر ؟
ولا يعترف أن التقصير منه ، و النقص فيه. إذاً فهؤلاء كاذبون ، منافقون ، مخادعون. فيصب جام غضبه عليهم ، هذا أبو عبد الله يدعي أنه يربح ، هو كاذب ، فيدخل على مواضيع أبي عبد الله ويهاجمه ، ويشتت انتباه أصحاب أبي عبد الله ، ويهز الجديد الضعيف منهم ، أو يرد عليه بعض أصحاب أبي عبد الله بالشدة حيناً واللطف حيناً ، لكنه لا يرى أمامه ، ولا يسمع إلا لصوت شيطانه ، وهو يقول له:
من غير المعقول أن الفريق يربح خاصة وأني لم أتلق من أحد سجل عمليات حقيقية ، ولم يرد أحد أن يريني كشف حساباته ، لماذا ؟ لأنه يخسر ، ولا يريد أن يفضح نفسه.
وتصير هذه هي رسالته: الدخول على الموضوعات الناجحة لتشتيت المتابعين لها ظناً منه أنه ينقذ المخدوعين من براثن الغول الذي يقودهم للخسارة ، وهو يزعم لهم أنه يربح ، ولا يستمع الوطواط إلا لصوت نفسه مقتنعاً أنه يفعل الصواب بإظهار الحقيقة الغائبة عن المخدوعين: لا رابح في السوق ،
وقد يتطور به الحال إلى أن يصير هذا همه ، وقد يدفع الفشل للموضوع الناجح دفعاً ، وقد يشتت انتباه وتركيز الأستاذ قائد الفريق أو المجموعة ، فيخرجه عن عمله لنقاشات جانبية ، ونزاعات مريرة تفوت على الأستاذ عمله ، وتجعل متابعيه يخسرون وقت الأستاذ وعلمه. ومثالي على هذا توصيات جابر عثرات الكرام. فهو رجل مخلص متمرس ، وضع في بداية توصياته قواعد معينة حدد فيها الهامش ، وأسلوب فتح العمليات ، ومتابعة الربح ، وتقليل الخسائر ، واستمر يربح في أكثر عملياته ، والناس تتابعه ، ومن يلتزم بشروطه يربح معه ، ويتحمل الخسارة حتى تتحول معه إلى ربح ، والنتائج تعرض باستمرار ، بالربح والخسارة ، حتى دخل إليه من تعمد إفشال موضوع التوصيات ، فلما تأثر جابر بالنزاعات والصراعات غاب قليلاً ثم عاد بثلاثين توصية ، لم يكملها ، ثم عاد بموضوع المليون دولار ، وأنا أرى أن جابر كان ضحية الوطوطة (وهذا تعبير أستاذنا خالد الفهد) ، وقد كان أولى به ألا يستمع للمحبطين والمثبطين ، وأن يكمل موضوعه على المنوال الذي ارتضاه ، وكان الأفضل له أن يوافق الإدارة على حذف المشاركات التي كانت تسيء إليه حتى يصفو له الجو ويستطيع التركيز لإتمام عمله.
كان المثال السابق سبباً من الأسباب التي أصررت على أن أصف الوطاوطة ، وقد تنبه حبيبنا مادرو لصورة الوطواط التي وضعتها في مشاركتي الأولى واشمئز منها ، ولم أقل له هناك أني تعمدت أن أضع صورة هذا الوطواط القميء لأنفر الناس منه ، وقد كانت لدي صوراً أبشع منه ، فضلت ألا أختار منها حرصاً على مشاعر القراء ، لكن هدفي من وضع الصورة هو تنفير الناس منها ، وممن سيحمل صفاتها ، وإظهار خطورة الوطاويط بدليل أنها حرمت الناس من علم جابر ، وهي ساعية للانقضاض على غيره ، ومن يستمع لها يخسر نفسه ، ويخسره الناس . غير أني أزعم أني صارت لي حصانة منها بفضل الله ، وقد فهمت لعبتهم منذ أول يوم فلم أعرهم أذني ، وأمام عيني مبدأ أطبقه "لن يوقفني أحد - مهما كان - عن الوصول لأهدافي" .

