مسألة: الجزء الثالث
وقال ابن عقيل في الفنون : إن حدثتك نفسك بوفاء أصحاب الزمان فقد كذبتك الحديث ما صدقتك الخبر هذا سيد البشر مات وحقوقه على الخلق أجمعين لحكم البلاغ , والشفاعة في الأخرى .
وقد قال تعالى : { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } وقد شبع به الجائع , وعز به الذليل فقطعوا رحمه وضل أولاده بين أسير , وقتيل , وأصحابه قتلى : عمر في المسجد وعثمان في داره هذا مع إسداء الفضائل وإقامة العدل والزهد , اطلب لخلفك ما كان لسلفك وقال لا ينبغي لعاقل أن يعرف بعادة فيدهى منها مثل أن يصعب عليه أمر فيقصد به ويؤذى , أو يعرف أنه يحب أمرا فيؤاخذ به وحكي أن رجلا كان معروفا بأخذ الفأل فاشترك جماعة على حيلة يأخذون بها مالا فقصده واحد منهم على دفعه بضاعة أو قرضا وجلس الشركاء في الحيلة على بعد فنادى أحدهم صاحبه استخر الله فهذه جهة مباركة وقال الآخر نعم ما هو إلا صواب فلما سمع ذلك قويت عزيمته على دفعه وكان آخر يأكل ما يجده من الفتات , فجعل له في فتاته سم فأكله فمات , فاحذر من اغتفال الأعداء .
وقال أيضا إن أبناء الزمان لا بقاء لهم على حال بينما نرى أحدهم على المحبة والشغف , حتى ترى أحدهم على ضد ذلك من الملل والضجر , فالعاتب لهم ظالم , كما أن الواثق بهم خائب ; لأنهم إذا حقق النظر في أحوالهم يراهم في أسر المقادير مسلطات الأقضية والتصريف , ثم الدهر موصوف بالاستحالة فكيف أبناؤه فإذا أوقع الله سبحانه الوحشة بينك وبين الخلق فإنما يصرفك إليه ويندبك إلى التعلق به , فاحمد إساءتهم إليك فإنهم لو أحسنوا معك الصنيع لقطعوك عنه ; لأنك ابن لقمة وابن كلمة طيبة أدنى شيء يقتطعك إليهم .
وقال أيضا : لا تطلب من متجدد الرياسة أخلاقه معك حال العطلة فيرفضك ويؤذيك فتكون كالمعلم يتخلق مع من كان يعلمه بعد كبره كتخلقه معه حال كونه في الكتب , وذاك بمثابة من يطلب من السكران أخلاق الصحابي فإن للرياسة سكرا ولولا ذاك ما قال الله عز وجل : { فقولا له قولا لينا } .
وبينه في قوله تعالى : { هل لك إلى أن تزكى } .
فأخرجه مخرج السؤال لا الأمر لموضع تجبره وكذلك من كان له أو لسلفه ولاية ومنصب ودولة وقد أفضى به الدهر إلى العطلة لا يقتضي أو لا ينبغي معاملته بماضي الرياسة وقال في قصيدة كبيرة :
أخوك الذي إن تدعه لعظيمة
يجبك وإن تغضب إلى السبق يغضب
الناس فيك بين من يعتقدك بذلك عالما فإذا ظهر مقدارك من لفظك تعجل سقوط قدرك .
لا تواكلن جائعا إلا بالإيثار , ولا تواكلن غنيا إلا بالأدب , ولا تواكلن ضيفا إلا بالنهمة والانبساط ولا تلقين أحدا بما يكره وإن كنت ناصحا فإن ذلك ينفره عن القبول لنصحك ولا تدعه من الأسماء إلا بأحبها إليه , وتغافل عن هفوات الناس فذلك داعية لدوام العشرة , وسلامة الود , وخفف مؤنتك بترك الشكوى , وإذا كرهت من غيرك خلقا فلا تأته , وإذا حمدته فتخلق به , ولا تستصغر كبير الذنب فتعرى , ولا تستكبر صغيرها فتيأس , وأعط كل ذنب حقه من عقوبته إن قدرت , ومن اللائمة والهجران إن عن العقوبة عجزت ولا تقتض الناس بجراء إحسانك اقتضاء البائع بثمن سلعته , ولا تمنن عليهم فالمن استيفاء لمعروفك أو تكدير لبرك فإن قدرت على هذه الخلائق في معاشرتك وإلا فالعزلة خير لك وخير للناس , فإنك بستر نفسك تستريح من احتقاب الآثام بإسقاط جرم الأنام , والسلام .
وروى ابن عقيل في الفنون بإسناده عن هشام بن سليمان المخزومي عن أبيه قال أذن معاوية للناس إذنا عاما فلما احتفل المجلس قال أنشدوني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كل بيت منها مستقل بمعناه , فسكتوا فلما سكتوا علم أنهم قد أعيوا إذ طلع عبد الله بن الزبير فقيل : مقول العرب وعلامتها , فقال أبا خبيب فقال مهيم قال أنشدني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كل بيت قائم بمعناه قال بستمائة ألف قال وتساوي قال فأنت بالخيار وأنت واف كاف فأنشده للأفوه الأودي :
بلوت الناس قرنا بعد قرن
فلم أر غير ختال وقال
قال : صدقت هيه قل البيت الثاني , فقال :
وذقت مرارة الأشياء طرا
فما طعم أمر من السؤال
قال : صدقت قل البيت الثالث فقال :
ولم أر في الخطوب أشد وقعا
وأصعب من معاداة الرجال