مسألة: الجزء الثالث
فصل تباح الحبرة والصوف نص عليه والوبر والكتان والشعر من كل حيوان طاهر وقد تقدم .
قال في الرعاية الكبرى يكره في غير حرب إسبال بعض لباسه فخرا وخيلاء وبطرا وشهرة , وخلاف زي بلده بلا عذر , وقيل يحرم ذلك وهو أظهر وقيل ثوب الشهرة ما خالف زي بلده وأزرى به ونقص مروءته انتهى كلامه , والقول بتحريم ذلك خيلاء هو ظاهر كلام الإمام أحمد وقطع به في المستوعب والشرح وهو الذي وجدته في كلام الشيخ تقي الدين .
ونص أحمد على أنه لا يحرم ثوب الشهرة فصارت الأقوال ثلاثة فإن أحمد رضي الله عنه رأى على رجل بردا مخلطا بياضا وسوادا فقال ضع عنك هذا والبس لباس أهل بلدك .
وقال ليس هو بحرام ولو كنت بمكة أو بالمدينة لم أعب عليك قال صاحب النظم ; لأنه لباسهم هناك .
وقال في التلخيص وابن تميم : يكره ثوب الشهرة وهو ما خالف ثياب بلده قال ابن تميم : ويكره لبس ما يخرج بلابسه إلى الخيلاء .
وقال في المستوعب يكره من اللباس ما يشتهر به عند الناس ويزري بصاحبه وينقص مروءته وفي الغنية من اللباس المتنزه عنه كل لبسة يكون بها مشتهرا بين الناس كالخروج عن عادة أهل بلده وعشيرته فينبغي أن يلبس ما يلبسون لئلا يشار إليه بالأصابع , ويكون ذلك سببا إلى حملهم على غيبته فيشاركهم في إثم الغيبة له .
وفي كتاب التواضع لابن أبي الدنيا , وكتاب اللباس للقاضي أبي يعلى عن أبي هريرة مرفوعا { أنه نهى عن الشهرتين فقيل يا رسول الله وما الشهرتان قال رقة الثياب وغلظها ولينها وخشونتها وطولها وقصرها ولكن سدادا بين ذلك واقتصادا } وعن ابن عمر مرفوعا { من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة } حديث حسن رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه .
ويدخل في الشهرة وخلاف المعتاد من لبس شيئا مقلوبا ومحولا كجبة وقباء كما يفعله بعض أهل الجفاء , والسخافة والانخلاع والله أعلم .
قال ابن عبد البر قال عبد الله ابن عمر من لبس ثوب شهرة أعرض الله عنه وإن كان ثقة وليا . .
قال ابن عبد البر كان يقال كل من الطعام ما اشتهيت والبس من اللباس ما اشتهاه الناس نظمه الشاعر فقال :
إن العيون رمتك مذ فاجأتها وعليك من شهر اللباس لباس
أما الطعام فكل لنفسك ما اشتهت
واجعل لباسك ما اشتهاه الناس
كان بكر بن عبد الله المزني يقول : البسوا ثياب الملوك , وأميتوا قلوبكم بالخشية , وكان الحسن يقول إن أقواما جعلوا خشوعهم في لباسهم , وكبرهم في صدورهم وشهروا أنفسهم بلباس الصوف حتى إن أحدهم بما يلبس من الصوف أعظم كبرا من صاحب الطرف بمطرفه .
وقال سفيان بن حسين قلت لإياس بن معاوية ما المروءة ؟ قال أما في بلدك فالتقوى وأما حيث لا تعرف فاللباس .
وروى بقية عن الأوزاعي قال بلغني أن لباس الصوف في السفر سنة وفي الحضر بدعة .
وقال القاضي وابن عقيل والشيخ عبد القادر وغيرهم رحمهم الله ومن اللباس المكروه ما خالف زي العرب وأشبه زي الأعاجم وعادتهم ومن هذا العمامة الصماء وهي مكروهة نص عليه الإمام والأصحاب وهل هي كراهة تحريم أو تنزيه ؟ فيه خلاف , وقد كره أحمد النعل الصرارة وقال من زي العجم قال الميموني ما رأيت أبا عبد الله قط مرخي الكمين يعني في المشي .
قال في الرعاية : يسن التواضع في اللباس ولبس البياض والنظافة في بدنه وثوبه , قال ابن حمدان ومجلسه والطيب في بدنه وثوبه , والتحنك والذؤابة معه وإسبالها خلفه انتهى كلامه . والمراد بالعمامة أن تكون بذؤابة متوسطة كما قاله بعض أصحابنا فتقي الرأس مما يؤذيه من حر وبرد ولا يتأذى بها , والتحنيك يدفع عن العنق الحر والبرد وهو أثبت للعمامة ولا سيما للركوب .
وقال ابن عبد البر : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب من الألوان الخضرة ويكره الحمرة ويقول هي زينة الشيطان } .
وقال مالك الأشتر لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : أي الألوان أحسن ؟ قال الخضرة ; لأنها لون ثياب أهل الجنة قال وأنشد غير واحد للشافعي :
علي ثياب لو تباع جميعها بفلس
لكان الفلس منهن أكثرا
وفيهن نفس لو يقاس ببعضها
نفوس الورى كانت أجل وأكبرا
أخذه المتنبي فقال :
لئن كان ثوبي فوق قيمته الفلس
فلي فيه نفس دون قيمتها الإنس
فثوبك بدر تحت أنواره دجى
وثوبي ليل تحت أطماره شمس
وقال آخر :
لا تنظرن إلى الثياب فإنني
خلق الثياب من المروءة كاس
وقال محمود الوراق :
تصوف فازدهى بالصوف جهلا
وبعض الناس يلبسه مجانه
يريك مجانة ويجن كبرا
وليس الكبر من شكل المهانه
تصنع كي يقال له أمين
وما معنى التصنع للأمانه
ولم يرد الإله به ولكن
أراد به الطريق إلى الخيانه
وقال آخر :
لا يعجبنك من يصون ثيابه
حذر الغبار وعرضه مبذول
ولربما افتقر الفتى فرأيته
دنس الثياب وعرضه مغسول
وروي عن لقمان الحكيم أنه قال : التقنع بالليل ريبة وبالنهار مذلة , قال رجل لإبراهيم النخعي : ما ألبس من الثياب ؟ قال : ما لا يشهرك عند العلماء ولا يحقرك عند السفهاء .
قال القاضي وغيره : يستحب غسل الثوب من العرق والوسخ نص عليه في رواية المروذي وغيره واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال { أما يجد هذا ما يغسل به ثوبه } { ورأى رجلا شعثا فقال أما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه } وهذا الخبر رواه أحمد والخلال من حديث جابر وعلله أحمد بأن الثوب إذا اتسخ تقطع وروى وكيع عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يعجبه إذا قام إلى الصلاة الريح الطيبة , والثياب النقية . وروي أيضا عن عمر رضي الله عنه قال مروءة الرجل نقاء ثوبه وعلى ظاهر تعليل أحمد يجب غسله لما في تركه من إضاعة المال المنهي عنه وفي الخبر عنه عليه الصلاة والسلام قال { البذاذة من الإيمان } قال أبو القاسم البغوي , قال أحمد بن حنبل : البذاذة التواضع في اللباس .
ذكره الحافظ تقي الدين بن الأخضر في تسميته من روى عن أحمد في ترجمة محمد بن علي الجوزجاني قال الإمام أحمد رحمه الله في رواية الأثرم ينبغي أن يرخي خلفه من عمامته كما جاء عن ابن عمر .
قال الشيخ تقي الدين وإرخاء الذؤابة بين الكتفين معروف في السنة وإطالة الذؤابة كثيرا من الإسبال المنهي عنه انتهى كلامه . ومقتضى كلامه في الرعاية استحباب الذؤابة لكل أحد كالتحنك ومقتضى ذكر الإمام أحمد ما جاء عن ابن عمر يقتضي اختصاص ذلك بالعالم فإن فعلها غيره فيتوجه دخولها في لبس الشهرة ولا اعتبار بعرف حادث بل بعرف قديم ولهذا لا خلاف في استحباب العمامة المحنكة , وكراهة الصماء .
قال صاحب النظم يحسن أن يرخي الذؤابة خلفه ولو شبرا أو أدنى على نص أحمد ومراده بنص أحمد في إرخاء الذؤابة خلفه في الجملة لا في التقدير , ما ذكره غير واحد مما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم عمم عبد الرحمن بن عوف بعمامة سوداء وأرخاها من خلفه قدر أربع أصابع . وقال هكذا فاعتم فإنه أعرف وأجمل }
وعن علي رضي الله عنه أنه اعتم بعمامة سوداء وأرخاها من خلفه شبرا وأرخاها ابن الزبير من خلفه قدر ذراع وعن أنس نحوه .
وقال الحنفية رحمهم الله يستحب إرخاء طرف العمامة بين الكتفين , منهم من قدر ذلك بشبر ومنهم من قال إلى وسط الظهر , ومنهم من قال إلى موضع الجلوس انتهى كلامهم ومن أحب أن يجدد لف العمامة فعل كيف أحب .
وفي كلام الحنفية فلا ينبغي أن يرفعها عن رأسه ويلقيها على الأرض دفعة واحدة لكن ينقضها كما لفها ; لأنه هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمامة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ولما فيه من إهانتها كذا ذكروا والله أعلم قال ابن عبد البر قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه تمام جمال المرأة في خفها , وتمام جمال الرجل في عمته كذا حكاه ابن عبد البر .