مسألة: الجزء الثالث
وذكر ابن عبد البر عن ابن عباس أنه قال : أحب في الله وأبغض في الله فإنه لا تنال ولاية الله إلا بذلك ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك . قال ابن عباس ولقد صار عامة مؤاخاة الناس اليوم على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئا , ثم قرأ : { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } . وقرأ { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله }
وذكر المفسرون في الآية الأولى أنهم أخلاء في المعاصي وقال البغوي في تفسيره كذلك وقال ( إلا المتقين ) المتحابين في الله على طاعة الله كذا قال وذكر المفسرون في الآية الثانية أن الإيمان يفسد بمودة الكفار وأن من كان مؤمنا لا يوالي كافرا ولو كان قريبه .
وقال ابن الجوزي بينت الآية أن ذلك يقدح في صحة الإيمان , كذا قال وليس مراده أنه يصير كافرا بذلك واحتج بها مالك على ترك مجالسة القدرية ومعاداتهم في الله قال القرطبي في تفسيره وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم والعدوان كذا قال , ثم ذكر عن سفيان الثوري قال كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول { اللهم لا تجعل لفاجر عندي نعمة فإني وجدت فيما أوحيت إلي : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر } .
وذكر ابن عبد البر عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال : التارك للإخوان متروك , كان يقال أنصح الناس فيك من خاف الله فيك . قال أبو العتاهية :
من ذا الذي يخفى عليـ
ك إذا نظرت إلى حديثه
كان سفيان بن عيينة يتمثل :
لكل امرئ شكل يقر بعينه وقرة
عين الفسل أن يصحب الفسلا
قال الجوهري الفسل من الرجال الرذل والمفسول مثله وقد فسل بالضم فسالة وفسولة فهو فسل من قوم فسلاء وأفسال وفسول , وفسالة الحديد سحالته , والفسيلة والفسيل الودي وهو صغار النخل , والجمع الفسلان , والفسكل بالكسر الذي يجيء في الحلبة آخر الخيل وهو السكيت والقاشور ومنه قيل رجل فسكل إذا كان رذلا , والعامة تقول فسكل بالضم وقال آخر :
وصاحب إذا صاحبت حرا فإنما
يزين ويزري بالفتى قرناؤه
وقال المأمون الإخوان على ثلاث طبقات كالغذاء لا يستغنى عنهم أبدا وهم إخوان الصفاء , وإخوان كالدواء يحتاج إليهم في بعض الأوقات وهم الفقهاء وإخوان كالداء لا يحتاج إليهم أبدا وهم أهل الملق والنفاق لا خير فيهم قال الجوهري الملق الود واللطف الشديد , وأصله التبين وقد ملق بالكسر يملق ملقا ورجل ملق يعطي بلسانه ما ليس في قلبه , والملق أيضا ما استوى من الأرض : والملق ساكن مثل الملح السير الشديد والميلق السريع وانملق الشيء واملق بالإدغام أي صار أملس وقيل لأعرابي لم قطعت أخاك من أبيك ؟ فقال إني لأقطع الفاسد من جسدي الذي هو أقرب لي من أبي وأمي أعز نقدا .
وقال أكثم بن صيفي أحق من شركك في النعم شركاؤك في المكاره . أخذه بعضهم فقال :
وإن أولى البرايا أن تواسيه
عند السرور لمن واساك في الحزن
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا
من كان يألفهم في المنزل الخشن
وقال المثقب العبدي :
يواعدني مواعد كاذبات
تمر بها رياح الصيف دوني
فإما أن تكون أخي بحق
فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطرحني واتخذني
عدوا أتقيك وتتقيني
فإنك لو تعاندني شمالي
عنادك ما وصلت بها يميني
إذا لقطعتها ولقلت بيني
كذلك أجتوي من يجتويني
وقال صالح بن عبد القدوس :
قل للذي لست أدري من تلونه
أناصح أم على غش يداجيني
إني لأكثر مما سمتني عجبا
يد تشج وأخرى منك تأسوني
تغتابني عند أقوام وتمدحني
في آخرين وكل عنك ينبيني
هذان أمران شتى بون بينهما
فاكفف لسانك عن ذمي وتزييني
لو كنت أعلم منك الود هان علي
بعض الذي قد أصبحت توليني
لا أسأل الناس عما في ضمائرهم
ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني
أرضى عن المرء ما أصفى مودته
وليس بشيء من البغضاء يرضيني
والله لو كرهت كفي مصاحبتي
لقلت إذ كرهت يوما لها بيني
ثم انثنيت على الأخرى فقلت لها
إن تسعديني وإلا مثلها كوني
إني كذاك إذا أمر تعرض لي
خشيت منه على دنياي أو ديني
خرجت منه وعرضي ما أدنسه
ولم أقم غرضا للنذل يرميني
وملطف بي مدار ذي مكاشرة
مغض على وغر في الصدر مكنون
ليس الصديق الذي تخشى بوادره
ولا العدو على حال بمأمون
يلومني الناس فيما لو أخبرهم
بالعذر فيه يوما لم يلوموني
وقال أيضا :
ما يبلغ الأعداء من جاهل
ما يبلغ الجاهل من نفسه
والشيخ لا يترك أخلاقه
حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى جهله
كذا الضني عاد إلى نكسه
وإن من أدبته في الصبا
كالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه مورقا ناضرا
بعد الذي أبصرت من يبسه
وقال أيضا :
المرء يجمع والزمان يفرق
ويظل يرقع والخطوب تمزق
ولأن يعادي عاقلا خير له
من أن يكون له صديق أحمق
فارغب بنفسك لا تصادق أحمقا
إن الصديق على الصدوق مصدق
وزن الكلام إذا نطقت فإنما
يبدي عقول ذوي العقول المنطق
لا ألفينك ثاويا في غربة
إن الغريب بكل سهم يرشق
ما الناس إلا عاملان فعامل
قد مات من عطش وآخر يغرق
وإذا امرؤ لسعته أفعى مرة
تركته حين يجر حبل يفرق
بقي الذين إذا يقولوا يكذبوا
ومضى الذين إذا يقولوا يصدقوا
وصالح هذا هو صاحب الفلسفة قتله المهدي على الزندقة كان يعظ ويقص بالبصرة وحديثه يسير وليس بثقة وقيل إنه رئي في النوم فقال إني وردت على رب لا تخفى عليه خافية فاستقبلني برحمته وقال قد علمت براءتك مما قذفت به .