-5-
رأس المال المبدئي
(حجمه وشروطه)
حجم رأس المال المبدئي:
هنالك تفاوت كبير رأيناه في مشاريع المليون دولار. بدأ بـ 10 آلاف دولاراً، وتدرج حتى هبط لـ 5 دولارات كانت تقدمها إحدى شركات الوساطة ترويجاً لنشاطها. والحق أننا لكي نحكم على مقدار رأس المال المطلوب لمثل هذه المشاريع، لابد أن نراجع عدة نقاط:
- طبيعة الطريقة أو الاستراتيجية التي سأعمل عليها في المشروع،
- نسبة المخاطرة التي سألتزم بها في العمل،
- المدة المفترض أن تستغرقها رحلة المشروع.
أما عن الطريقة أو الاستراتيجية، فمن البدهي أن العمل على فريم سريع على زوج واحد من أزواج العملات، يحتاج لرأس مال أقل من المطلوب على الطريقة نفسها إذا كانت تسمح بالعمل على أكثر من زوج. كما أن العمل على مضاعفات العقود يستلزم توفر رأس مال أضعاف ما يحتاجه أسلوب الوقف. وهذا أمر بالغ الأهمية، والخطأ في حسابه قد يعرض المشروع كله للفشل.
وأما عن نسبة المخاطرة، فالسوينقات - مثلاً - تحتاج لرأس مال أكبر مما تحتاجه الطرق ذات الأهداف القصيرة. والأهداف القصيرة تعتمد على تكرار الدخول والخروج، مما ينمي رأس المال بشكل أسرع إذا حسن استغلاله، كما أن التمرس على السوينقات، وبخاصة المهارة في اختيار نقاط الوقف، ونقل نقطة الوقف لسعر الدخول أو أفضل يمكن المتاجر الخبير من إعادة استغلال الهامش أثناء جريان الصفقة الأولى، لكن قلة من المتمرسين على السوينقات هي التي تتقن هذه التقنية. من هنا كان العمل على السوينقات محتاجاً لرأس مال أكبر، ولمدة تداول أكبر كثيراً من الأساليب الأخرى. هنا لابد أن نصحح لمن يبدأون مشروع المليون برأس مال محدود، مع وضع نسبة مخاطرة عالية. ولنمثل بهذا الفريق الذي حدد بداية رحلته بـ 100 دولاراً للحساب، وبـ 10% كنسبة للمخاطرة. هنا يحكم الفريق على نفسه باحتمال الفشل من أول صفقة. فإذا قلنا أن معدل الربح للخسارة هو 1:1 (أي احتمال الربح هو 50% واحتمال الخسارة 50%) وخسر الفريق الصفقة الأولى انتهى المشروع قبل أن يبدأ، لأنه بتحديد نسبة المخاطرة لـ 10% استطاع إجراء الصفقة الأولى، بينما كانت نسبة المخاطرة في الصفقة الثانية أكبر من 10% (حسب حجم الخسارة في الصفقة الأولى)، وبذلك خالف قواعده، واضطر ليدخل الصفقة الثانية، وهو مخالف ومتوتر، بـ 11% أو 12% أو أكثر من ذلك، ولو صادف أن خسر الصفقة الثانية كذلك، انتهى مشروعه في مهده، وهذا ما حدث مع أحد هذه الفرق، برغم تنبيهي لهم قبل أن يبدأوا.
نسبة المخاطرة إذاً يجب أن تحسب لعشر صفقات على الأقل قبل بدء المشروع، وباحتمال أن يخسر الفريق أول 4 أو 5 صفقات بحد أدنى. والأفضل من هذا هو اختيار نسبة مخاطرة شديدة التدني في بداية الرحلة، للسبب الذي ذكرناه ولتقوية قلوب المشاركين إذا منوا بالخسارة في أول صفقاتهم استقلوها وأكملوا العمل حتى يتعودوا على الربح. وفي المقابل لابد أن يوجه المشاركون لأهمية الربح مهما كان قليلاً، وألا يستعجلوا الوصول لمبالغ كبيرة من رأس مال هزيل، وألا يحقروا ربح السنتات، بل يعملوا في هذه الفترة على حساب نسبة الربح لرأس المال، لا قيمته المادية، وأن يوطنوا أنفسهم على تفهم أن ربح مئات الدولارات لا ينبغي أن يزيد في كل صفقة عن عدة سنتات، ولو دخل الربح العائد لرأس مال قيمته - مثلاً - مائة دولار عشرات الدولارات في الصفقات الأولى لاحتاج المتاجر للتوقف ومراجعة نفسه لتصحيح هذا الوضع الخطير الذي لا يقل ضرراً عن تكرار الخسارة في الصفقات الأولى.
وأما المدة المطلوبة لتحقيق الهدف، فتعتمد على حجم الهدف. وهذه نقطة أخرى تمثل مشكلة لأصحاب مشاريع المليون دولار. وقد وقعت أنا في هذه المعضلة في السباق الأول. أذكر أني حين أعددت خطة السباق الأول درست حجم رأس المال المبدئي، ونسبة المخاطرة، وعدد النقاط المفترض ربحها أسبوعياً، مع اختيار الرافعة المالية وقيمة الهامش المحجوز لكل صفقة. ومن هنا حددت أن يتم السباق في تسعة شهور، تماماً مثل حمل المرأة. لكني عند التنفيذ ظهرت لي متغيرات أخرى، منها احتمال أن:
- يقل متوسط الربح الأسبوعي عن المقرر،
- ينتهي الأسبوع دون تحقق الشروط لدخول أي صفقة،
- ينتهي الأسبوع بخسارة،
- يكون معظم الأسبوع أيام عطلات للسوق،
- أضطر لتقليل نسبة المخاطرة، خاصة حين تتضخم المبالغ،
- إحتمال أن ألجأ لتغيير الطريقة أو الاستراتيجية لسبب أو آخر.
وقد مررنا في السباق الأول بكل هذه الاحتمالات. ومما يزيد صعوبة الأمر أن يدخل العامل النفسي هنا، لتتوتر الناس كلما اقتربنا من الموعد المقرر لنهاية الرحلة، بينما أرصدتنا مازالت بعيدة عن رصيد الهدف. ويكون أمامك وقتها حل من اثنين. ترضخ للضغوط فتلتزم بالموعد المقدر، ولذلك تزيد نسبة المخاطرة وعدد العقود وعدد أزواج الطريقة، فتدخل في فوضى. أو تنفذ حرف الميم الأولى من الكلمة السحرية "تمام"، فتأخذ بالمرونة وتمد في زمن الرحلة. وقد وفقني الله سبحانه وتعالى لفهم أن الأولى هو الوصول مهما تأخر، عن الوصول لخط النهاية بنصف قيمة الهدف المحدد للرحلة.
وبعد التجربة والخبرة، وبناءاً على ما تقدم من أسباب، وجدت أن الأسلم هو ترك الزمن مفتوحاً سواء للوصول للأهداف المرحلية، أو للهدف النهائي.
شروط رأس المال المبدئي:
كما قدمنا في صدر هذه المشاركة، رأينا أن بعض المشاريع تقوم على مال "ممنوح" من شركات الوساطة. وقد تكلمنا من قبل كثيراً عن الشروط الواجب توافرها في مال المتاجرة. وقلنا أنه يجب أن يكون مملوكاً للمتاجر، وهو غير محتاج إليه لحياته اليومية. أي أنك لا يتغير في حياتك شيء إذا تعرض هذا المال لنقص أو ضياع، وهي أمور واردة في الفوركس.
نضيف هنا نقطة أخرى نراها مهمة، وهي على النقيض مما يظنه البعض. وهي أن يكون المال مالك أنت، وليس ممنوحاً لك من جهة أو شخص. أي أن يكون مالاً يخصك أنت، ويشعرك فقده لشيء من الحسرة أو الضيق، برغم عدم تأثير ضياعه على حياتك اليومية. القصد من هذا الكلام هو أن المال الممنوح، مهما كان قليلاً أو كثيراً يتعامل معظمنا معه كما لو رصيداً في حساب تجريبي. ومهما ادعى من يقول لك أنه يتعامل مع الحساب التجريبي كما لو كان حساباً حقيقياً، فلا تصدقه. ولا يفهم كلامي إلا من عمل على النوعين من الحسابات. ومن غير المقبول إذاً أن يأتيك مسئول عن مشروع من مشاريع المليون، ليقول لك: ضع مائة دولار أو مائتين أو أكثر، وانسها. يا صابت يا خابت. لو صابت أصبحنا من أصحاب الملايين. ولو خابت لم نخسر كثيراً. هذا مشروع محكوم عليه بالفشل قبل أن يبدأ. ومن هذا النوع مشاريع المائة دولار الممنوحة من بعض شركات الوساطة مقابل فتح الحساب. يتحول المشروع بهذا المنطق للعبة قمار. ولاشك أن الخسارة العاجلة تكون نصيب مثل هذه المشاريع.
المال إذاً في مشاريع المليون، يجب أن يكون:
- ممولاً للمتاجر من حر ماله، ومما هو زائد عن متطلبات حياته،
- غير ممنوح له من شركة أو فرد، حتى لا يصير مثل دولارات الحسابات التجريبية تأتي بسهولة وتضيع بسهولة دون أسف عليها،
- مناسباً لطريقة المتاجرة،
- متوافقاً مع خطة المشروع إذا حددت لرحلته مدة زمنية.