الأقلام المماليك


بسم الله الرحمن الرحيم ..
القلم يُخلّد ما يسطره، وأما اللسان فجُل ما يلفظه يُطوى ولا يُروى عند الخلق، لذا خصّه الله بالقسم (والقلم وما يسطرون) وقد كان القلم زمناً قسيماً للحكمة، والروية تتبع الخط ما لا تتبع العبارة، والأصل اقتران العلم بالقلم ( اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم )، وأما الآن فيحمله كُلُّ أحد، وهو أمارة الساعة، وقبض العلم، في الحديث "بين يدي الساعة يظهر القلم" .
وفي هذا الزمن استوى القلم باللسان منزلة، فأصبحت السطور أكثر من الأصوات، واللسان فيه أكثر إنصافاً من القلم، واللفظ أعدل من الخطّ .
وقد كان العقلاء وسادات الناس، يقدم إليهم الرسول أضناه التعب وأنهكه الطريق، ومعه لسان ناطق وعقلٌ يحفظ، ومع ذا فلا يُلتفت إلا لما في يديه من "مكتوب" ممن وراءه، لأن القلم حرٌ مُتجرد، وإناء يُعطي ما وضع فيه، واللسان لا يسلم من نزوة النفس وتأويلاتها.
ومجالس الناس مليئة بفضول القول ورديء اللفظ، ولا يلتفت إلا للمكتوب، لأن القلم قلمٌ واللسان لسان، يحمل اللسان الصغير والكبير والمجنون والعاقل، وأصبح القلم الآن مثله، بل أصبح اللسان أكثر إنصافاً منه، ترى من يكتب المنكر ورديء القول وأمام الناس سيد في الأدب والدين .
وحينما قرن النبي صلى الله عليه وسلم (ظهور القلم) في آخر الزمان مع (قبض العلم) إشارة إلى قَبض الأكفِ الأقلامَ كما تقبض الرؤوسُ الألسنَ بلا لزوم علم ورجاحة عقل.
وأصبحت تبعة القلم أعظم من تبعة اللسان، على الكاتب والقارىء، ففي الخبر (وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم)، والأقلام أشد أثراً على صاحبها في عاقبته .
وأما القارىء فيُدرك أن الرحم والوشائج بين العلم والقلم منفصلة بالقدر الذي ينفصل معه العلم عن اللسان في الأزمنة الغابرة.
وكثيرٌ من الجهلة المطبوعين يفرغون ما في أذهانهم في الغابر في مجالس أمثالهم، منهم من ينقطع أثر كلامه قبل أن ينطقه بلسانه، ومنهم من لا يبلغ كلامه أذن جليسه، ومنهم من يقتسر المَسامع فيحملها إلى الأذهان عبأً ثقيلا، وتبلغ عقلاء الناس ولا يرفعون بها رأساً .
وكثير ممن له نصيب معرفة، لم يُدرك حقَّ الإدراك أن أقلام اليوم ألسنة الناس في السابق، أدركته سكرة الأقلام فأرسلها وشأنها، وأعفاها من ولاية العقل عليها، وأجراها في الوعر والسهل، و أنطقها بالصواب والخطأ، أكبته حصائدها في النار على وجهه، بعد أن تكسوه في الدنيا سربال عار لا ينسل منه، و تحشر له من العداوات ما لا قرار معه.
وكثير ممن يثق بمنصبه وجاهه أو جودة قلمه يظن أن في ذلك ما يقوم مقام حجته، فيَكتب ويتكلم ولا يستحضر إلا ثقته تلك، ويغيب حينها عنه أن قلوب ذوي العقول موازين لا تزن بها أحداً إلا كادت أن تضعه على حقه في ميزان عدل منها، فلا يزنون بميزانه هو، فإن الهر ليس من قبيلة الأسد، إلا في ميزان أحناش الأرض .
وإذا شُغل قلب الإنسان بشيء فبقدر استعمار ذلك الشيء لقلبه، يكتب ولا يستحضر إلا هو، وينطق ولا يرى إلا هو، وربما حمل القلم ليُخاطب آلاف القراء، والقارى يرى أنه لا يعنيه بل لا يعني إلا واحداً استحوذ على قلبه، ورأى البشر في صورته، يراه في رأس قلمه عند تسطيره، وبين عينيه عند حديثه .
وكثيراً ما يُعظم الكتاب الأمور الصغار في ميزان العقل والنقل، لأنها عظيمة في عين من لا يرون إلا بعينه، وتراخيهم عن الأمور العظام تراخي الحبل لا يجد ما يشده، يسطرون بلا تحقيق، ويتحدثون بلا تمييز، لذا ترى تناقضاً في كتاباتهم، لم يستقر لهم أصل ولم يصح لهم فرع، والفكرة لديهم أشبه بالظل يرمي تارة ويفيء أخرى، لأن الكُتاب متباينون في قدر استعباد قلوبهم وتحررها، وكثير من الكتاب عبيد في نوعٌ من الرق لا يُطرح إلا في سوق الكتابة، ولا يراه إلا الأحرار.
يكتبون ما لا يعتقدون، ومع ذا يدّعون أنه الحق لكسبٍ زائل، وحظ من الدنيا وضيع (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) .


يتدثر الكثير منهم بدثار الحرية، والقلب مملوك، لأن للحُر أخذة تأخذ القلوب إلى التأسي به، والثقة بقوله، وقد كان عمر يضرب الإماء إذا لبسن لباس الحرائر، مغتفراً في ذلك ظهور العورة، معتبراً أن الحرة مطلبٌ وإن شانت، والأمة مزهد وإن زانت، وعين الحرة عفيفة، وعين المملوكة ميالة، وزلة الأمة لا يُعتد بها كالحرة، وزلة الحرة قدوة، وإن اجتمع لباس الحرية وزلة الأمة فذاك مطلب الغرائز، ومجلبة أبناء السفاح.
ونحن في زمن تُضْرَب الأقلام المماليك حتى تلبس لباس الأحرار لتأخذ قلوبَ القراء إلى الاقتداء والتأسي، ويكثر نتاج أفكار السفاح، وقد جاء في "الصحيح" (أنا خصم رجل باع حراً فأكل ثمنه) .
تباع وتشترى الأفكار بأقلام مماليك، تتنوع أثمانها بتنوع أطماع حامليها، ومن أحب شيئاً طمع فيه وتنزل في سبيل الوصول إليه، فالكبائر في سبيله صغائر، وإذا كان الحب يعمي عن المساوىء فالبغض يعمي عن الحقائق والمحاسن، وكثيرٌ منهم لا يُدرك أنه عبد مكبل الكفين مغلول الخُطى، إلا عند فراغ قلبه من شاغله، وربما لا يفرغ قلب الواحد منهم إلا عند حضور الأجل!
ومن شغل قلبه بالله وأخلاه عمن سواه، تكلم لله وسكت لله، بالقدر الذي يريد الله، وعرف حدَّه من عَرَض الدنيا، وأن الزيادة على الكفاية نقصان منها.