بسم الله الرحمن الرحيم

خواطر أب

يا بني.. اعلم أصلحك الله، أنك من أحب الخلق إليَّ، وأقربهم إلى قلبي، فأنت ثمرة فؤادي وبهجة نفسي، طربت لك جنينًا في بطن أمك، وسعدت بك وليدًا في حجرها وفرحت بك صغيرًا تتأمل كل شيء من حولك وفي عينيك براءة عجيبة، وكم أتمنى أن أراك في الغد رجلاً يافعًا نافعًا صالحًا في نفسك، مصلحًا لغيرك، بارًا بوالديك، ترحم ضعفهما وتقوم بحقهما خادمًا لأمتك راعيًا لدينك عابدًا لربك عز وجل عالمًا به متبعًا لرسولك صلى الله عليه وسلم محبًا له
يا بني.. لما كنت من أحب الناس إلي، وأعزهم عندي؛ فإني رأيت واجبًا علي أن أدلك -أرشدني الله وإياك- إلى طريق الخير والحق والفلاح، ذلك الطريق الذي أحبه الله لك وخلقك من أجله: طريق الجنة يا بني ولست أرى لك طريقًا غيره، فهو طريق الأنبياء والصالحين من بعدهم، طريق مليء بالعقبات والمكاره والمشاق, ولكن ما أحسن عاقبة السير فيه!! فلتشمر عن ساعد الجد، ولتحمل عدة الصابرين، واعلم أن النصر مع الصبر، وما أعطى الله عبدًا عطاء أوسع ولا أعظم من الصبر.
يا بني: حفظك الله ورعاك لعلني بهذه التقدمة الحانية، قد دفعتك إلى الشوق لمعرفة هذا الطريق؛ فاعلم -سددك الله- أنه لا بد لكل طريق من علامات وإرشادات يستدل بها السائر لئلا يضل، وكلما لاحت له علامة منها نشط سعيه واشتد عزمه حتى يصل نهاية الطريق، فإليك بُني بعض معالم هذا الطريق جعلني الله وإياك من أهله.
محبة الله عز وجل

يا بني.. اعلم أن محبة الله عز وجل من أعظم معالم تلك الطريق؛ فهي البداية والمنتهى وهي شرط الإيمان ودليله ففي الحديث المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار».
وقد امتدح الله -عز وجل- أهل الإيمان بهذه المحبة فقال: }وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ{ [البقرة: 165]. وإذا تأملت سيرة الأنبياء والصالحين أيقنت أنهم حازوا أعلى المراتب بصدق المحبة لربهم ورضاهم عنه سبحانه، واعلم -رزقك الله محبته- أن من عرف ربه أحبه لا محالة فأقبل على كتاب الله بهمة وعزم، وتعرف على أسمائه وصفاته، وألزم نفسك طاعته وجنبها سخطه وغضبه يرزقك الله محبته وينعم عليك برضوانه.
وإلا فكيف يحب الجاهل ربه وهو لا يعرفه؟ فإذا علمت ذلك عرفت أن الأنبياء والرسل هم أشد الخلق حبًا لله تعالى؛ لأنهم أعرف الناس به وأعلمهم بمراده.
اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته

يا بني.. لتعلم أن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به من أعظم الأسباب التي تبلغك جنة الله ورضوانه، وأن الله تعالى أوصد كل السبل إلى الجنة إلا من طريق النبي صلى الله عليه وسلم وجعل الاقتداء به دليل محبته سبحانه فقال: }قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ{ [آل عمران: 31] وحذر سبحانه من مخالفته ورتب عليها فتنًا عظيمة وعذابًا أليمًا }فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{ [النور: 63].
وأي أسوة أعظم من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ }لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ{ [الأحزاب: 21]. وقد امتن الله جل في علاه وعظم في عالي سماه على المؤمنين ببعثه ورسالته }لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ{ [آل عمران: 164] وجعله أبر الناس بأمته وأرحمهم بها وأشفقهم عليها }لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ{ [التوبة: 128].
بل عاتبه الله عز وجل بقوله: }لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ{.
يا بني الزم محبة النبي صلى الله عليه وسلم فهي شرط الإيمان؛ وفي الحديث الصحيح: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه» فهو صلى الله عليه وسلم أولى بنا من أنفسنا }النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ{ [الأحزاب: 6].
واعلم أن من لوازم هذه المحبة طاعته فيما أمر، والبعد عما نهى عنه وزجر، وتصديقه فيما أخبر، و يتبع ذلك الصلاة عليه عند ذكره، والذب عن شريعته وإحياء سنته وإظهار دينه، وحب أصحابه وآل بيته وإياك والغلو في ذلك؛ فقد حذر النبي ذلك فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد الله ورسوله».
وإياك يا بني ومحدثات الأمور فإن قومًا تدفعهم الملائكة يوم القيامة عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم فيقول النبي الرؤوف الرحيم: «يا رب.. أمتي.. أمتي» فيقال: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك».

طلب العلم

يا بني -أرشدك الله وعلمك- اعلم أن طلب العلم من أشرف المنازل وأعظم القربات، وما رأيت منزلة أعظم منه، ألم تقرأ قول ربك العليم الحكيم }يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ{ [المجادلة: 11] بل أعظم من ذلك أن ألحق الله تعالى شهادة أولي العلم بشهادته سبحانه وشهادة ملائكته؛ تشريفًا لهم وتعظيمًا لقدرهم }شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ{ [آل عمران: 18].
وهو مع ذلك من أعظم السبل إلى جنة ربك سبحانه وتعالى: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة».
والعلماء يا بني مصابيح الهدى، بهم يعرف الحق ويعلو، ويزهق الباطل ويخبو، وتدفع الفتن وتنجلي عن الأمة، فهم ورثة الأنبياء، وسادة الأتقياء، وما من ولي لله تعالى إلا وهو عالم به، يهرع الناس إليهم عند المحن والشدائد يستبصرون بعلمهم ويفزعون إليهم إذا فشت الضلالات والبدع.
فالله الله في طلب العلم، وثني الركب عند أهله والتأدب بآداب حملته، وإياك والكسل في جمعه؛ فإنك لن تندم على شيء ندمك على ساعة مرت لم تجمع فيها علمًا أو تدون مسألة أو تقرأ على شيخ أو تطالع كتابًا نافعًا، واعلم أن العلم لا ينال إلا بشق الأنفس ومتابعة العلماء والصبر عليهم، وكم من صغير رفعه وشرفه علمه، وكم من كبير وضعه جهله.

تعلم فليس المرء يولد عالمًا

وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده

صغير إذا التفت عليه الجحافل

كبير إذا ردت إليه المحافل





يا بني -أصلحك الله- اعلم أن ثمرة العلم العمل به والدعوة إليه وتعليمه للخلق، وإلا فهو حجة على صاحبه يوم القيامة، وكم من رجل عالم فتن بعلمه فكان عليه وبالًا.
}وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ{ [الأعراف: 175-176].
ومن عمل بما علم أورثه الله علم مالم يعلم، واعلم أن علماء السوء أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، فإياك أن تجعل ما علمك الله مطية لدنيا حقيرة أو سلطانًا فائتًا ولا ترض لنفسك مالم يرضه الله لك من الحماقة والجهل

فساد كبير عالم متهتك

وأكبر منه جاهل متنسك

هما فتنة في العالمين عظيمة

لمن بهما في دينه يتمسك



الصلاة الصلاة

أي بني- رحمني الله وإياك- لا يخفى عليك عظم أمر الصلاة ومكانتها في ديننا، فهي أهم أركانه بعد الشهادتين، وهي عموده الذي لا يقوم إلا به "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد" .
ولما أكد الله عز وجل فلاح المؤمنين ذكر أول صفاتهم فقال سبحانه }قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ{ [المؤمنون: 1-2] ورتب الله على أدائها أعظم الثواب وأعلى المنازل وتوعد تاركها بالويل والعذاب }فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا{[مريم: 59] }مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ{ [المدثر: 42، 43].
فالصلاة يا بني قرة عيون الموحدين ومعراجهم إلى رب العالمين، تشرح الصدر، وتسر النفس، وتزيل الهم، وتدفع البلاء، وتكشف المحن، وما تعبد العبد ربه بمثلها ولا تقرب إليه بما يكافئها وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حَزبه أمر (أي أهمه أو أشغله) فزع إلى الصلاة، وهو القائل صلى الله عليه وسلم: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» فالصلاة نور في القلب والوجه، وسعة في الصدر، وصلة بين العبد وربه، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، ولا حظ في الإسلام لمن ضيع الصلاة وهي من آخر ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم أمته: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم».
يا بني.. إذا صليت فاعلم أنك بين يدي الله عز وجل فكبره وعظمه في صلاتك وجميع أحوالك واعلم أنك تناجي ربك في صلاتك، وأنه سبحانه ينصب وجهه إليك فإذا التفت عنه وكلك إلى نفسك وشيطانك ولا يبالي، فإياك وصلاة المنافقين الذين قال الله فيهم: }وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا{ [النساء: 142].
وقال سبحانه: }فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ{ [الماعون: 4، 5] فإذا أردت الصلاة فأحسن وضوءك }إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ{ وتزين للقاء ربك }يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ{ [الأعراف: 31].
وإياك أن تذكر الله بلسانك وقلبك عنه غافل، فإذا صليت الفريضة فأتبعها النافلة لتجبر ما نقص منها، ولتحظى بمحبة الله عز وجل: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» وإياك أن تسمع النداء فلا تجيب، فتعرض نفسك لسخط الجبار عز وجل، وإياك والنوم عن صلاة الفجر فسارع إليها ولو حبوًا، ولا ترض لنفسك إلا أن تكون في الصف الأول، فما زال قوم يتأخرون حتى أخرهم الله عز وجل، وإذا صليت فصل بسكينة وذلة وخشوع، و إياك والعجلة في أمر الصلاة، فرب صلاة لعنت صاحبها ووردته المهالك لما دخل فيها بجسده تاركًا قلبه للشيطان، ولا تنس الدعاء لنفسك ووالديك والمسلمين في سجودك، وأسأل الله أن يتقبل منا ومنك صالح العمل.

بر الوالدين

يا بني جنبك الله العقوق، لا يغيب عنك ما لاقيتُ وأمك في سبيل تربيتك ورعايتك بعد فضل الله ورحمته فلا يكون جزاؤنا منك إلا الإحسان والبر والرحمة وإياك والعقوق فإنه مانع من دخول الجنة ولو كثر العمل }فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ{.
وضع نصب عينيك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة قاطع رحم» وأي رحم أعظم وأولى من والديك؟ وقد قرن الله توحيده ببرهما قال عز من قائل: }وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا{.
يا بني رزقك الله البر بوالديك، اعلم أن العقوق ذنب يعجل الله عقوبته في الدنيا، فمن بر والديه بَره أبناؤه وكما تدين تدان، وإياك ودعوة الوالد على ولده فهي دعوة لا ترد واعلم أن أخسر الناس صفقة من رزقه الله أبوين أو أحدهما فلم يدخل الجنة.
مناشدة

يا بني- هداك الله إلى الخير- أناشد فيك الإيمان والإسلام الذي فطرك الله عليه إلا حفظت نصيحتي ورعيت حقي ورحمت أبوتي، يا بني ليكن لك مثلًا وقدوة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فهذا بلال بن رباح الذي تشهد له رمضاء مكة وصخورها بالصبر على الأذى في سبيل الله، وهذا مصعب بن عمير يشهد له ثوبه الذي كفن فيه فلم يستر سائر بدنه وقد كان أنعم أهل مكة فترك نعيم الدنيا حبًا لله ورسوله، وهذا حبيب بن زيد يضرب أروع الأمثلة في الجهاد بالنفس يوم أن قطع بدنه جند مسيلمة الكذاب دفاعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو شئت يا بني لزدتك وطالما حكيت لك عنهم فلا أراك يا بني إلا معهم يوم القيامة، وإياك والبطالين من أهل الفساد والعبث واللهو فإنك لم تخلق لذلك، والسعيد من وعظ بغيره.
يا بني -وفقني الله وإياك- بعد أن بذلت ما في وسعي في تربيتك ونصيحتك؛ لم يبق لي إلا الدعاء أن ينبتك الله نباتًا حسنًا، فتكون شابًا نشأ في طاعة الله، وأسأله سبحانه أن يجمعني بك في الدنيا على طاعته، وفي الآخرة في جنته ودار كرامته.