النتائج 1 إلى 1 من 1
الموضوع: ضبط ايقاع العلاقات الانسانية
- 05-05-2015, 07:24 AM #1
ضبط ايقاع العلاقات الانسانية
العلاقات بين البشر هي أحد أهم عوامل السعادة في حالة صحتها وتناغمها , وهي أيضا أحد عوامل الشقاء في حالة اضطرابها وتعثرها , وهي تشكل أحد الإهتمامات الرئيسية الثلاث عند الناس (الإنجاز , العلاقات, القيم ) .
محاور العلاقات
المحور الرأسي (العلاقة بالله) : تلك العلاقة التي تؤثر في سائر علاقات الإنسان فضلا عن كونها في حد ذاتها علاقة شديدة الأهمية , فالإنسان مخلوق ويحتاج في كل لحظة لخالقه فهو يتعلق به حبا واحتياجا ورغبة ورهبة . والإنسان حين يعي ويستوعب صفات الجمال وصفات الجلال في الذات الإلهية تتوازن مكونات ذاته وتنتظم علاقاته بنفسه وبالآخرين فهو وإياهم مخلوقات لإله واحد وقد كرمهم الله على سائر خلقه واختصهم بأمانة التكليف بعد أن أعطاهم حرية الإختيار ونظم حياتهم بأديان متتالية ترسم حدود العلاقات وتهذب الأخلاق وتردع دوافع الطغيان وتنمي نزعات الخير والحب والسلام . والعلاقة بالله على الرغم من عظمتها وقدسيتها إلا أنها لا تسلم من التحريف أو الغلو بناءا على تصور الإنسان للإله وبناءا على المنهج الذي وصل الإنسان وهل هو صادر عن الله بالكلية أو منسوب إليه وموضوع بواسطة البشر وملبيا لأهوائهم . وكم من نزاعات وحروب قامت بين البشر باسم الإله وهي في الحقيقة مدفوعة بأهواء البشر وأطماعهم .
المحور الداخلي (العلاقة بالنفس) : فمن عرف نفسه وفهمها وأحبها وأحسن التعامل معها وإدارة جوانبها ومستوياتها وصراعاتها كان أقدر على فعل ذلك مع غيره , ومن فشل في ذلك فقدرته على معرفة الآخرين وحبهم وإدارة العلاقة معهم مشكوك فيها . ومعرفة النفس محفوفة بمخاطر كثيرة منها التحيز مع النفس بتضخيمها أكثر من اللازم والدوران حولها عشقا وهياما , أو بتحقيرها وسحقها وتسليم قيادها لآخر أو آخرين .
المحور الأفقي (العلاقة بالناس) : وهي علاقة ضرورية ونسبية , أما عن ضرورتها فلأن الإنسان كائن يعيش في وسط اجتماعي ولا غنى له إطلاقا عن علاقات مع هذا الوسط تضمن له تدبير معيشته وتحقيق احتياجاته النفسية والإجتماعية , وأما عن نسبيتها فهي تعني أن الناس متفاوتون في درجة تفاعلهم مع الوسط الإجتماعي كما وكيفا , وهذا يعتمد على طبيعة الشخصية (انطواءا وانبساطا) وعلى درجة الإحتياج للآخرين ومدى العائد المتلقى من العلاقة بالآخر . والعلاقة بالناس على الرغم من أهميتها وإشباعها لاحتياجات إنسانية كثيرة إلا أنها محفوفة بمخاطر الغيرة والمنافسة والحقد والحسد من ناحية ومخاطر الحب الجارف والإفتتان والإعتماد والإبتلاع من ناحية أخرى , ولهذا تحتاج تلك العلاقات لضبط وتهذيب حتى لا تنجرف إلى دوائر الصراع المدمر أو دوائر الحب الخانق.
قوانين تحكم العلاقات :
ثمة قوانين عديدة تحكم العلاقات الإنسانية , ولكن يمكن إيجازها للتبسيط في قانونين أساسيين هما :
1- قانون الحب : وهو أول قانون في العلاقات نشأ حين أحب آدم حواء وأحبته ومازال هذا الحب يسري في ذريتهما ويجمع المحبين لتعمر بهم الحياة وتنمو وتتطور . وقانون الحب يكتسبه الإنسان في مراحل نموه الأولى حين تحوطه الأم بالرعاية وتلبي احتياجاته فينشأ لديه إحساس بأن الحياة آمنة وأن الآخرين يوثق بهم وبعطائهم وأنهم يستحقون منه المشاعر الطيبة .
2- قانون الصراع : وقد ظهر متأخرا بعد قانون الحب , وتجسد في أوضح صوره فيما نشأ بين قابيل وهابيل من مشاعر غيرة وحسد وتنافس انتهت بأن قتل قابيل أخاه هابيل , واستمر ذلك القانون يعمل بين البشر ويصدر عنه النزاعات والخلافات والحروب في كل زمان ومكان . وقانون الصراع يتولد عند الإنسان إذا نشأ في بيئة مهددة لاتعطيه احتياجاته الأساسية لذلك ينمو لديه الإحساس بأن الحياة غير آمنة وأن الآخرين لا يوثق بهم وأن عليه أن يأخذ حقه بذراعه عنوة وأن يتصارع طول الوقت مع الآخرين الذين يحاولون – في نظره – أن يسلبوه ذلك الحق.
ومن حكمة الله ورحمته أن قانون الحب نشأ قبل قانون الصراع , وأنه يظل أقوى وأكثر امتدادا وتغلغلا منه , والدليل على ذلك استمرار الحياة على الأرض وتطورها ونموها على الرغم من الخلافات والصراعات والحروب .
أسباب اضطراب العلاقات :
وتأتي مشاكل العلاقات من مصادر كثيرة متصلة بطبيعة النفس البشرية واختلاف توجهاتها واحتياجاتها وأطماعها ودوافعها ومخاوفها وظنونها وصراعاتها الداخلية والخارجية .
إذن فالإختلاف يكاد يكون هو أهم مصدر للمشاكل في العلاقات فلا شك أننا كبشر مختلفون بدرجات متفاوتة وبعضنا يتحمل هذا الإختلاف ويتقبله والبعض الآخر لا يتحمل ويدخل معنا في صراع . وبعض الناس لديهم توقعات بأن يكون الآخرين مثلهم في طريقة التفكير وفي السلوك , وأن من يختلف عنهم يصبح عدوا لهم أو على الأقل مهددا لاستقرارهم .
والصراع بين البشر على مستوى العلاقات لا يتوقف على الغرباء بل قد يكون بين الأقربين أشد , وأول وأشهر صراع واضطراب في العلاقات في التاريخ الإنساني كان بين قابيل وهابيل وانتهى بأن قتل قابيل أخاه هابيل وكانت أول جريمة قتل في التاريخ الإنساني بسبب الغيرة والتنافس.
مفاتيح استراتيجية لصحة العلاقات :
1- قبول حقيقة أن البشر مختلفين , وأن الله خلقهم كذلك لحكمة , ولا يصح ولا يصلح أن يكونوا جميعا متشابهين أو متطابقين , فالخلاف تنوع وثراء وهو مصدر تفاعل وحركة تعمر بهما الحياة , يقول الله تعالى : " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك , ولذلك خلقهم ...." (هود 119) . وقبول الإختلاف والتعددية هو البداية الحقيقية للتعامل الصحي مع البشر .
2- المرونة , بمعنى أن كل إنسان وكل موقف يحتاج لرؤية معينة ولأسلوب معين ولتعامل معين بحيث نضع في الإعتبار التركيبة النفسية لهذا الشخص وظروفه كما نضع في الإعتبار الحالة التي هو عليها في لحظة التعامل والسياق الذي نتعامل معه فيه . ويخطئ كثير من الناس حين يحاولون تثبيت طريقة التعامل مع كل الناس وفي كل الظروف , وربما يعتقدون أن في هذا نوع من الثبات على المبدأ أو الإتساق في السلوك , والمرونة لاتعني تغيير المبادئ الأساسية في التعامل ولا تعني التعامل بوجهين أو بعدة أوجه , ولكنها تضع لكل حالة إنسانية ما يناسبها من الإستجابات الصحية , فالشخص المرن أشبه بطبيب حكيم وماهر ينتقي لكل مريض ما يناسبه من الأدوية واضعا في الإعتبار السن والجنس والحالة المرضية والقدرة المادية وكل الظروف المحيطة .
الأكثر زيارة
رد مع اقتباس