-9-
ثقافة العمل الجماعي
قد سطرت في مشاركاتي السابقة خلاصة خبرة متواضعة عملت فيها في السوق، وكان كل تركيزي منذ البداية أن أعلي من شأن العمل الجماعي. لم تكن لي حاجة لمن يدفعني إلى الأمام، أو لمن يأخذ بيدي، أو يحلل لي هذا الزوج من العملات أو ذاك. بل كانت فكرة أن يجتمع جمع من الناس يشد بعضهم من أزر بعض. أناس لكل منهم ميزة تفضله عن أقرانه، فيكمل بعضهم بعضاً. والدعوة إلى الوحدة والتجمع كانت شاغلي منذ البداية، وأذكر أنه حين لم يكن في السوق إلا المتداول العربي والمركز الخليجي كتبت موضوعاً في العربي أدعو فيه إلى جمع الصفوف وإلغاء التناحر المقيت والعداء غير المبرر. ثم حين بزغ نجم خبراء المال ومن بعده بورصات ازداد الإلحاح على رأب الصدع بين المنتديات، ومن السخيف أنه ما يزال من يطلق تعبير "منتدى الجيران" حين يتكلم أحد عن منتدى آخر غير الذي يكتب فيه. وإحقاقاً للحق أني تجاوزت في بعض المنتديات وسميت منتدى الجيران بالاسم، ولم يزرني زوار الفجر، ولم تتعرض كلماتي لمقص الرقيب. غير أن هذا المسلك قد لا يصح في منتدى آخر.
على المستوى نفسه نتكلم عن الأفراد المعتبرين في المنتديات. وأزعم أن الكثيرين من الأسماء الكبيرة يترفعون عن المشاركة في مشروع مهما كانت نسبة نجاحه المرتقب لسبب واحد هو أنني "فلان" الذي يملأ اسمه الآفاق لست من يقود هذا المشروع. هنا قد يعلق من يدعي أننا كعرب ليست لدينا "ثقافة الاجتماع" أما رأيتم أن الجامعة العربية مجرد شكل لا محتوى له، وأنها منذ نشأتها لم تجتمع أبداً على رأي واحد باسثناء منع تجنيس الفلسطينيين؟ لكن هذا الكلام إن صح عن الجامعة العربية لا يصح عن العرب. إن ثقافة الاجتماع متأصلة في أعماق أعماقنا. أنظر إلى سرعة اصطفاف الصفوف للصلاة الجامعة. ألم يستجب خالد بن الوليد لرسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب التي عزله فيه، وانسحب فور استلامه لها لينضم لصفوف الجنود؟
المسألة إذاً ليست ثقافة موروثة، بل هي في ظني نتيجة لأطماع شخصية ونقائص في تربيتنا. ما المانع من أن أعمل تحت قيادة آخر مهما بلغت من علم ومكانة؟ ألم يكن أبو بكر الصديق والفاروق عمر ضمن جيش الشاب اليافع أسامة بن زيد والرسول عليه الصلاة والسلام في فراش الموت؟ هل استكبر الإمامان، أو اعترضا؟
ماذا يمنع إذا جاءنا شاب طموح بفكرة جديدة أن نتحلق حوله ونسانده ونؤازره؟ هذا نداء للأساتذة أن يفتحوا عقولهم وقلوبهم لأي فكر جديد. لابد من أن نعلي من شأن الاتحاد والتجمع، وأن ننبذ الفرقة والتشرذم.

