تضخم يرتفع و ثقة ترتفع و اقتصاد يتحسّن , هل نحن متجهون إلى فقاعة جديدة ؟
شهد الاقتصاد الدولي الأزمة الائتمانية الأسوأ منذ الكساد العظيم و كانت نتاج خروج من الركود الاقتصادي الذي شهده الاقتصاد الأمريكي و بعض الاقتصاديات العظمى الأخرى في السنوات الأولى لهذه الألفية عندما قام السيد آلان جرينسبان محافظ البنك الفيدرالي الأمريكي السابق بخفض سعر الفائدة و قامت الحكومة الأمريكية بضخ سيولة نحو الأسواق المالية و تبعتها العديد من الدول في ذلك فنشأت أرض خصبة لأن تشهد بداية الفقاعة في قطاع الإنشاء و قطاع العقار طريقا ً للظهور و وصفت سابقا ً بـ " فقاعات صغيرة متفرقة هنا و هناك " سرعان ما اجتمعت لتصبح الفقاعة التي انفجرت مسببة ً أزمة الرهن العقاري و التي ولدت لاحقا ً الأزمة الائتمانية الأسوأ منذ الكساد العظيم لتدخل الاقتصاد الدولي في الركود الاقتصادي الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية و منه الاقتصاد الأوروبي الذي شهد ظلام و عمق بحار الركود الاقتصادي و ما زال يواجه الاقتصاد عثرات كبيرة و عديدة في طريقه نحو النمو .
خفّض البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة المرجعية نحو المستوى الأدنى عند 1.00% فيما قام بتوفير سيولة عن طريق سياسة غير اعتيادية في البنك قام من خلالها بوضع 60 مليار يورو تحت الطلب لضخها في الاقتصاد . كل هذا رافقه سيولة دون سقف تمنح للقطاع المصرفي منعا ً لأن يقع في غياهب الأزمة الائتمانية و مساعدته على الصمود حتى تنتهي هذه الأزمة . من ناحية أخرى ننظر إلى الحكومات الأوروبية و هي توفر عشرات المليارات على شكل نقد يضخ للاقتصاد على شكل استثمارات و تحفيز بل و وصل الأمر إلى ضخ سيولة مباشرة إلى المستهلك و المنتج بأساليب شبه مباشرة منها تقليل الضرائب و غيرها .
ليس فقط في أوروبا , بل أيضا ً في معظم الدول العظمى إن لم تكن كلها نجد خطط مشابهة في تخفيض أسعار فائدة نحو مستويات قياسية متدنية جدا ً إلى جانب خطط تحفيز فاقت أضاعفا ً ما وفّره البنك الأوروبي و الحكومات الأوروبية مجتمعة . هل يجب أن ننظر إلى ذلك على أنها أرض خصبة لأن تنشأ فقاعة اقتصادية جديدة ؟
البعض الآن متخوّف فعلا ً من أن تستمر أسعار الفائدة عند هذه المستويات المتدنية جدا ً لوقت طويل إلى جانب الإبقاء على سياسة التخفيف الكمي على ما هي عليه حتى بداية أو حتى منتصف عام 2010 فهذه السيولة الكبيرة جدا ً في الأسواق قد تسبب فعلا ً مشكلة اقتصادية أعظم و تفوق مشكلة بداية الألفية . لا تستطيع الحكومات و البنوك المركزية الآن إيقاف هذه السياسات المالية و النقدية و إلا عاد الاقتصاد للانكماش فالعادات الاستهلاكية تغيّرت و المخزون في ارتفاع و الطلب و الإنفاق لم يعد إلى سابق عهده فدون تحفيز الاقتصاد قد لا تستمر رحلة النمو في الاقتصاديات الأوروبية التي شملت ألمانيا و فرنسا أكبر اقتصاديات المنطقة في نمو مقداره 0.3% لكل منهما و قد نعود إلى رحلة الانزلاق .
بيانات هذا اليوم أشارت إلى أن مستويات التضخم في الأسعار في فرنسا ليست مقبولة ! نعم و الآن نحن نناقش الموضوع في ارتفاع التضخم و ليس مخاطر انخفاضه . ارتفعت الأسعار لسلة المستهلك الفرنسي بحسب القيمة المتجانسة مع الاقتصاد الأوروبي بمقدار 0.6% في شهر آب الماضي و هذا الارتفاع يعد كبيرا ً جدا ً لكن العديد نظر إلى هذه القيمة على أنها المنقذ للاقتصاد الفرنسي من أن يقع في حالة انكماش الأسعار بعد أن انخفضت وتيرة الانخفاض في الأسعار على المستوى السنوي من 0.4% إلى 0.2% .
فعلا ً انخفضت مخاطر انكماش الأسعار أو حتى انكماش التضخم لكن لننظر إلى الموضوع بمنظار المستقبل, استمرار الارتفاع على هذا النحو قد يوصل مستويات التضخم إلى مستويات فوق 4.00% خلال أقل من سنة و هذا الرقم ( 4.00% ) هو من أشعل فتيل الخطر في البنك المركزي الأوروبي العام الماضي و لهذا ذكرناه هنا على سبيل المثال !
تكاليف العمالة في إيطاليا ارتفعت , هذا ما ظهر على بيانات اليوم عندما أشار أحد التقارير إلى أن تكاليف العمالة ارتفعت بمقدار 1.0% خلال الربع الثاني من هذه السنة في وقت انكمش فيه الاقتصاد الإيطالي بمقدار 0.5% .هذا أيضا ً قد يكون حافز لارتفاع التضخم أكثر و زيادة الطلب على السلع .في أوروبا إجمالا ً و التي شهدت انكماشا ً مقداره 0.1% خلال الربع الثاني من هذه السنة نرى أن تكاليف العمالة ارتفعت بمقدار 0.4% . هذا جميل أليس كذلك ؟ لكن مرّة أخرى لا تنسى منظار المستقبل الذي وضعناه بين يديك اليوم !
بيانات الثقة حسب مؤشر ZEW الألماني نظر إليها البعض بتفاؤل عندما أشارت إلى أن الثقة ما زالت ترتفع , ارتفع مؤشر الثقة بحسب المؤشر في الاقتصاد الألماني نحو مستوى 57.7 فيما ارتفع مؤشر الثقة في الأوضاع الحالية إلى -74.0 إلى جانب ارتفاع الثقة في الاقتصاد الأوروبي بشكل فاق التوقعات نحو مستوى 59.6 . بيانات مختلطة عندما نقارنها في التوقعات لها لكن بشكل إجمالي لا تدل إلا على استمرار في ارتفاع الثقة بقفزات ملحوظة . و كما نعلم فأن هذا المؤشر يعتبر أحد المقاييس المهمة جدا ً حيث أنه عبارة عن استبيان يقوم على خبراء ليعطوا آراءهم في الوضع الراهن و المستقبلي في الاقتصاد و لهذا يكتسب هذا المؤشر أهمية كبيرة في تقييم الاقتصاد الذي على ما يبدو أنه يقفز بأسرع مما يجب بل و وصل إلى أعلى مستويات للمؤشر منذ 3 سنوات تقريبا ً أي ليعود بنا إلى الثقة التي كانت تجتاح الأسواق قبل ظهور الأزمة الائتمانية !
ثقة مرتفعة و مستويات أسعار ترتفع و كل هذا يرافقه أسعار فائدة منخفضة و خطط تحفيز هائلة , أليست هذه الأرض خصبة لفقاعة اقتصادية جديدة ؟ في الدراسات الاقتصادية التي يعتبرها العديد من الخبراء متطرفة و غير واقعية يتم الإشارة إلى أن النظام الاقتصادي الحالي قائم على الفقاعات للسيطرة على الدورات الاقتصادية . تفسير ذلك هو أن البنوك و الحكومات في العالم تخرج اقتصادياتها من الركود لتقصّر من عمر قاع دورة أعمال الاقتصاد و تحاول أن تطيل زمن فترات الانتعاش و النمو و هذه ما يعني ظهور فقاعة اقتصادية يتأخر انفجارها لتصبح فقاعة هائلة .
في الوضع الراهن من الطلب قامت منظمة أوبك في الحفاظ على مستويات الإنتاج إذ أن المنظّمة تحاول أن يكون سعر برميل النفط بين 70 و 80 دولار . الإنفاق الآن ما زال منخفضا ً و نرى هذه الأسعار فكم سوف نرى سعر برميل النفط خلال السنوات القادمة ؟ أسعار السلع في ارتفاع أهمها المعادن بشتى أنواعها و نرى ارتفاعات في أسواق الأسهم تفوق في مقدارها مقدار التحسّن في الاقتصاد الدولي و هذا ما يعيد لنا ذكريات فقاعة التكنولوجيا و قد نعود أكثر لأعوام السبعينات لنتذكر أزمة الطاقة .
بيانات اليوم إيجابية جدا ً في أوروبا , و مجمل البيانات الاقتصادية التي تصدر من الاقتصاد وصلت حد " الممتاز " بل نراها بشكل " جيد أكثر من اللزوم " و يعتبرها البعض " بيانات مبالغ في تحسّنها " . هذه الأرض خصبة فعلا ً فمنذ هذا اليوم سوف نبدأ عن البحث عن فقاعة اقتصادية جديدة في أوروبا قد تكون مهلكة !
كثرت أوراقنا , على يمين المنضدة نرى أوراقنا للتفاؤل في كون الاقتصاد الأوروبي يخرج من الركود , و على اليسار أوراق الحذر التي نقلق فيها على الفترة التي سوف يستغرقها الاقتصاد الأوروبي ليعود للاستقرار . أما بين أيدينا اليوم ورقة جديدة قد لا نظهرها كثيرا ً لكن سوف نذكرك فيها بين الفترة و الأخرى حتى نكون ليس فقط محللين اقتصاديين عاديين بل سوف نبتعد أكثر في الزمن حتى لا تفاجئ في أي ملحق اقتصادي و مستجدات سوف تظهر فجأة .
لن نتركك عزيزي القارئ في تشاؤم , فبيانات اليوم إيجابية فعلا ً ! لكن عليك أن لا تنسى بأن البيانات الإيجابية إذا زادت عن اللزوم في جودتها فينعكس الأمر سلبا ً . هذه مسلّمة معروفة في البيانات الاقتصادية و دراسة الاقتصاد!

