طريقة الرجل الأعلى
إذن فالحكمة تبدأ في البيت، وأساس المجتمع هو الفرد المنظم في الأسرة المنتظمة، وكان كنفوشيوس يتفق مع جوته في أن الرُقيّ الذاتي أساس الرُقيّ الاجتماعي ؛ ولما سأله تزه لو "ما الذي يكون الرجل الأعلى؟" أجابه بقوله "أن يثقف نفسه بعناية ممزوجة بالاحترام". ونحن نراه في مواضع متفرقة من محاوراته يرسم صورة الرجل المثالي كما يراه هو جزءاً جزءاً- والرجل المثالي في اعتقاده هو الذي تجتمع فيه الفلسفة والقداسة فيتكون منهما الحكيم. والإنسان الكامل الأسمى في رأي كنفوشيوس يتكون من فضائل ثلاث كان كل من سقراط ونيتشه والمسيح يرى الكمال في كل واحدة منها بمفردها؛ وتلك هي الذكاء والشجاعة وحب الخير. وفي ذلك يقول:
كونفوشيوس
"الرجل الأعلى يخشى ألا يصل إلى الحقيقة، وهو لا يخشى أن يصيبه الفقر. وهو واسع الفكر غير متشيع إلى فئة. وهو يحرص على ألا يكون فيما يقوله شئ غير صحيح. ولكنه ليس رجلاً ذكياً وحسب ، وليس طالب علم ومحباً للمعرفة وكفى ، بل هو ذو خلق وذو ذكاء. فإذا غلبت فيه الصفات الجسمية على ثقافته وتهذيبه كان جلفاً، وإذا غلبت فيه الثقافة والتهذيب على الصفات الجسمية تمثلت فيه أخلاق الكتبة؛ أما إذا تساوت فيه صفات الجسم والثقافة والتهذيب وامتزجت هذه بتلك كان لنا منه الرجل الكامل الفضيلة. فالذكاء هو الذهن الذي يضع قدميه على الأرض.
وقوام الأخلاق الصالحة هو الإخلاص، وليس الإخلاص الكامل وحده هو الذي يميز الرجل الأعلى. إنه يعمل قبل أن يتكلم، ثم يتكلم بعدئذ وفق ما عمل. ولدينا في فن الرماية ما يشبه طريقة الرجل الأعلى. ذلك أن الرامي إذا لم يصب مركز الهدف رجع إلى نفسه ليبحث فيها عن سبب عجزه. إن الذي يبحث عنه الرجل الأعلى هو ما في نفسه؛ أما الرجل المنحط فيبحث عما في غيره. والرجل الأعلى يحزنه نقص كفايته، ولا يحزنه ألا يعرفه الناس، ولكنه مع ذلك يكره أن يفكر في ألاّ يذكر اسمه بعد موته. وهو متواضع في حديثه ولكنه متفوق في أعماله. قل أن يتكلم، فإذا تكلم لم يشك قط في أنه سيصيب هدفه. والشيء الوحيد الذي لا يدانى فيه الرجل الأعلى هو عمله الذي لا يستطيع غيره من الناس أن يراه. وهو معتدل في قوله وفعله. والرجل الأعلى يلتزم الطريق الوسط في كل شيء؛ ذلك أن الأشياء التي يتأثر بها الإنسان كثيرة لا حصر لها؛ وإذا لم يكن ما يحب وما يكره خاضعين للسنن والقواعد تبدلت طبيعته إلى طبيعة الأشياء التي تعرض له. والرجل الأعلى يتحرك بحيث تكون حركاته في جميع الأجيال طريقاً عاماً؛ ويكون سلوكه بحيث تتخذه جميع الأجيال قانوناً عاماً، ويتكلم بحيث تكون ألفاظه في جميع الأجيال مقاييس عامة لقيم الألفاظ."

