القوامة في قيادة الأسرة



1- القوامة بين الأسرة الأبوية والأسرة الأمومية:
دعت الديانات السماوية "اليهودية والمسيحية والإسلام" إلى بناء الأسرة الأبوية، وأعطت القوامة للزوج أو الأب، فجاء في "سفر الخروج" أكرم أبالك وأمك لكي تطول أيامك في الأرض، فجاء في العهد الجديد "الرجل رأس المرأة" وعلى المرأة الخضوع للزوج.
وجاء في القرآن الكريم "الرِجَّالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسآءِ"، واتفقت قوانين الأحوال الشخصية في مجتمعات كثيرة على إعطاء الزوج دوراً أكبر من الزوجة في قيادة الأسرة، لأنه مهيأ أكثر منها لتحمل مسؤوليات القيادة، ففي القانون الفرنسي مثلاً: نصوص على أن يتولى الزوج أمر زوجته، وعليها طاعته والخضوع له والسكن عنده، والإنتقال معه إلى أي مكان ينتقل إليه، وعدم التصرف في أمواله إلا بإذنه. ولكن عندما لا يقدر الزوج على القيام بمسؤوليات القوامة وتقوم بها الزوجة فتتكون أسرة أمومية: الزوجة فيها الرئيسة، تصرف أمورها وتتخذ قراراتها، والزوج يطيعها ويتجاوب معها ويرتبط بها ويتعاون معها. لكن التعاون في التفاعل الزواجي في الأسرة الأبوية أفضل منه في الأسرة الأمومية، لأنه في الأسرة الأولى يدل على كفاءة الزوجين في القيام بمسؤولياتهما الزوجية، وعلى نضوج شخصيتهما، وعلى اتفاق سلوكياتهما مع ديننا وعاداتنا وتقاليدنا، مما يجعلهما قدوة حسنة لأولادهما وبناتهما. أما في الأسرة الثانية فيدل التعاون على خلل ما في الزوجين، فقد تكون الزوجة ناضجة الشخصية والزوج غير ناضج، أو تكون متسلطة والزوج اتكالياً معتمداً عليها مما يجعله أي الزوج غير كفء للقيام بمسؤوليات القوامة ويؤدي إلى اختلاف ديناميات الجماعة، فتلعب الزوجة دور الزوج ويلعب هو دورها وتكون لتفاعلهما الزواجي- بالرغم من تعاونهما وتفاهمهما- أثار سلبية على توافقهما الإجتماعي، وعلى النمو النفسي لأبنائهما.


فقد أشارت الدراسات إلى زيادة الانحرافات عند أبناء الأسر الأمومية، حيث وجد الباحثون علاقة بين قوامة الزوجة والخلل في نمو شخصية الأولاد والبنات على حد سواء. مما جعلهم يعتبرون الأسرة الأمومية أسرة غير صالحة، وتولد الفصام والعصاب والجناح والإنحرافات الجنسية عند أبنائها. وقد تكون الأسرة الأبوية أسوأ من الأسرة الأمومية، عندما يسيء الزوج فهم القوامة، ويعتبرها تسلطا وسيطرة وفرض أوامر على الزوجة والأبناء، ويجعل نفسه سيدا ينفرد بصنع القرارات وينظر إلى زوجته نظرة دونية، ويستغلها في إشباع حاجاته، ويهمل إشباع حاجاتها، ويطالبها بحقوقه عليها وينسى واجباته نحوها، مما يشعرها بالإحباط والظلم، ويجعلها تتفاعل معه تفاعلا سلبياً، أو يجعلها تخضع له خضوع المقهور، أو تناصبه العداء.


2- التمرد على القوامة:
نادى أصحاب النظرية المعيارية إلى المساواة بين الرجل والمرأة في اتخاذ قرارات الأسرة، فلاهي من سلطة الرجل وحده ولا من سلطة الزوجة وحدها، بل من سلطتيهما معا بالتساوي، وبالتالي لا تكون الأسرة أبوية ولا أمومية، وتكون القوامة والرئاسة فيها للزوجين معا.
لكن هذه الدعوة ليس لها أساس علمي في ديناميات الجماعة، لأن تباين الأدوار في الأسرة أمر ضروري في تحريكها نحو أهدافها وفي المحافظة على تماسكها، ولا توجد أسرة إلا والقيادة فيها للزوج "أسرة أبوية" أو للزوجة "أسرة أمومية". حتى في الأسر المنحرفة في أميركا التي تتكون من جنس واحد على أساس من الحرية والمساواة، فقد وجد عندما يتزوج رجل برجل ويكونان أسرة، فإن أحدهما يقوم باتخاذ القرارات في الأسرة أكثر من الآخر. وعندما تتزوج امرأة تقوم إحداهما بالقوامة والثانية تطيعها. فديناميات الجماعة تتطلب هذا التقسيم للأدوار وإسناد القوامة أي القيادة إلى الزوج الذي يقدر على الإنفاق والرعاية، لأنه هو الذي يستطيع أن يثيب ويعاقب. وليس من مصلحة الجماعة المساواة بين أفراد الأسرة في اتخاذ القرارات، فهي إما أن تكون للزوج أو للزوجة. من هنا ذهب أصحاب "النظرية النفعية" في أميركا إلى ضرورة إعطاء القوامة في الأسرة إلى الزوج الأكفأ الذي يستطيع الإنفاق والثواب والعقاب، فإذا كانت الزوجة في ذلك يعطي القوامة وتتكون الأسرة الأبوية. وأسوأ الأسر تلك التي تتكون من زوجين متسلطين يسعى كل منهما إلى السيطرة على الآخر، ويحدث الصراع بينهما، حيث لا تعترف الزوجة بقوامة الزوج وترفضها وتنافسه فيها، ويقاوم الزوج قوامة المرأة، ويعارضها ويجتهد في إثبات فشلها وضعفها. فيكثر بينهما الشقاق والخلافات ويغدو تفاعلهما الزواجي وكأنه جبهة قتال، يستخدم فيها كل منهما كافة أسلحته لهزيمة الآخر والسيطرة عليه.


3- القوامة في الأسرة المسلمة:
نص الإسلام وهو دين الفطرة، على أن تكون الأسرة المسلمة من النمط الأبوي أي الرئاسة فيها للزوج. فقد أعطاء الله درجة على الزوجة. قال تعالى: "وَ لِلرِّجَال عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ"، أي منزلة ليست لهن. أو هي درجة الرياسة والقيام بمصالح الأسرة. وليس في هذه الدرجة علو للرجل على المرأة ولا إثبات لتفوقه عليها، إنما هي درجة زيادة في المسؤولية على الأسرة والإنفاق عليها وتحمل أعبائها، فهي درجة تكليف أكثر منها درجة تشريف، لأن الإسلام أقام الحياة الزوجية على المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، فالنساء شقائق الرجال كما قال الرسول (ص). والمراد بالقوامة في الأسرة: الرياسة التي يتصرف فيها المرؤوس بإراداته واختياره، وليس معناها أن يكون المرؤوس مقهورا مسلوبا، فرياسة الرجل للأسرة شورية وليست استبدادية، لأن إدارة شؤونها وتصريف أمورها وتوجيه أفرادها محددة بأوامر الله ونواهيه، وبالعرف المراعى بين الناس في المعاشرة بالمعروف.


ولا تنقص قوامة الرجل في الأسرة من قدر المرأة، ولا من حقوقها المدنية. فلا تفقد اسمها ولا شخصيتها ولا أهليتها للتعاقد ولا حقها في التملك، فلا يجوز للزوج أن يأخذ شيئا من أموالها من دون إذنها. فالقوامة هي تعاون بين الزوجين في العمل بأوامر الشرع المنصوص عليها، ومنع للضرر والضرار، وعدم تكليف أي منهما بعمل ما ليس في وسعه.