الدعاية الأمريكية: محاربو أمريكا في مجال التأثير النفسي
فلويد ماكاي
ترجمة: زينب كمال
مفكرة الإسلام: يذكر المعجبون بالفيلم الأجنبي 'كازابلانكا' لويس رينولت, محقق الشرطة المخادع الذي تظاهر بأنه مصدوم لاكتشافه ما يحدث في نادي 'ريك' من ممارسة لألعاب القمار.
عليك أن تتأمل هذا عندما يعلن البيت الأبيض أنه, أيضًا, شعر بـ'الصدمة' لدى علمه بأن أحد العاملين بوزارة الدفاع الأمريكية قام برشوة الصحفيين العراقيين وعمل دعاية في الصحف العراقية بدون تحديد المصدر.
هؤلاء الأشخاص الذين يدّعون أنهم 'مصدومون, حقًا مصدومون' هم نفس الأشخاص الذين قاموا برشوة اثنين على الأقل من الصحفيين الأمريكيين في مقابل كتابة أعمدة في الصحف تدعم الإدارة الأمريكية وإعداد ما يسمى بـ'التقارير الإخبارية' التي لا يعدو كونها مجرد دعاية وتقديمها للقنوات التليفزيونية المحلية التي يمكن السيطرة عليها.
وفيما يتعلق بهذا الأمر, فإنه لا ينبغي أن يشكل توظيف التقنيات الدعائية التي يعود استخدامها على أقل تقدير إلى الحرب العالمية الأولى 'صدمة' للكونجرس ولا للإعلام الأمريكي, فقد استخدمتها الحكومة الأمريكية وغيرها من الحكومات منذ أن ظهرت وسائل الإعلام الحديثة.
وهذه الحماقات تعد أمرًا لا يذكر مقارنة بما يحدث من تعذيب السجناء والتجسس غير المسموح به وإساءة استخدام القوة مما ينبغي ألا يسبب فعليًا قلقًا للشعب الأمريكي.
إن المشكلة الرئيسة في المجهودات الدعائية المتعثرة التي نبذلها في العراق هي أنها لا تصلح هناك, حتى في تلك المنطقة من العالم التي أصبح الصحفيون فيها معتادين على التعرض لإرهاب السلطات أو يسمحون بشراء أقلامهم من قبل أصحاب السلطة.
وفي هذا المناخ, لا يستطيع أحد أن يلقى باللوم على قادة الجيش الأمريكي بسبب محاولتهم الالتزام بنفس قواعد العبة. فإن كسب القلوب والعقول يعمل بشكل أفضل مع الصحافة المطيعة. ولكن الأساليب الدعائية التي كانت صالحة في الماضي فشل العمل بها بشكل كبير في العراق. ومما يدعو للسخرية أن إدارة بوش كانت أكثر نجاحًا في الدعاية المعارضة للشعب الأمريكي أكثر منها معارضة للعرب.
ويعود استخدام الدعاية المنظمة والواسعة النطاق إلى الحرب العالمية الأولى, فإن الدروس الأولية التي تعلمناها من خلال التطبيقات البدائية أثناء الحرب العالمية الأولى مازالت متأصلة في عقول رجال العلاقات العامة في العالم الإلكتروني.
وتلعب الدعاية بشكل أساسي على المشاعر, حيث غالبًا ما تتحدى العقل والحقائق, وذلك كي تتمكن من الوصول إلى نفسيات الشعوب والسيطرة عليها. فالدعاية لعبة ذهنية - يقوم الدعائي الناجح باللعب على أكثر المشاعر عمقًا لديك, وذلك كي يستغل أشد مخاوفك واتجاهاتك المسبقة.
ويقدم الباحثان الدعائيان أنطونيو بارتكانيس وإليوت أرونسون تعريفًا للدعاية الحديثة على أنها: 'إيحاء أو تأثير جماعي ينشأ عن التلاعب بالرموز وبنفسية الأفراد. وتتضمن الدعاية البراعة في استخدام الرموز والصور والشعارات التي تؤثر على عواطفنا وعلى اتجاهاتنا, إنها عبارة عن إيصال إحدى وجهات النظر, على أن يكون الهدف النهائي من هذا هو حمل المتلقي على القبول طواعية بها كما لو أنها وجهة نظره الخاصة'.
ويعد الخوف أفضل أسلحة مسئول الدعاية. ففي كل الرسائل تقريبًا التي ينشرها البيت الأبيض يأتي ذكر الخوف من تكرار هجمات الحادي عشر من سبتمبر. كما أن إطلاق مصطلحات معينة على الأشياء يعد سلاحًا آخر اختياريًا في يد مسئول الدعاية. ففي الحرب العالمية الأولى تم إطلاق مصطلح 'الهون' على الألمان, والذي ينسبهم إلى قبائل الهونيين البرابرة. وفي الحرب العالمية الثانية تم إطلاق بعض التعبيرات المسيئة لليابانيين, وأطلق مصطلح 'جووكس' على الفيتناميين أثناء حرب فيتنام. واليوم نادرًا ما يخلو خطاب للبيت الأبيض من مصطلح 'إرهابي'.
وفي الحرب العالمية الأولى, تم تشويه سمعة الأمريكيين الألمان, وفي الحرب العالمية الثانية تم وضع الأمريكيين اليابانيين في معسكرات للاعتقال. واليوم يشعر المسلمون الأمريكيون في كثير من الأحيان بأنهم أصبحوا الآن بؤرة للدعاية.
وفي أوقات الحروب, تستخدم الدعاية حتمًا رموزًا وصورًا قوية. فيرفع العلم ويتم تمجيد البطولات التي تحدث في ساحة المعركة, ويتم ازدراء النقاد على اعتبار أنهم أشخاص يشعرون بالكراهية تجاه بلادهم وقواتها. وكثيرًا ما يستغل الدين في هذا الأمر - ما يثير الدهشة عقيدتهم دائمًا أن الرب معنا.
وتستخدم الدعاية الناجحة أدوات أولية مثل إطلاق المصطلحات, ونشر الخوف بين العدو وتكرار رسائل بسيطة مرارًا وتكرارًا إلى أن يتم حفرها في أذهان الناس. وبمجرد أن تستقر تلك الرسالة في رءوس الناس فإنها تبقى به حتى بعد أن يُثبت الدليل عدم صحتها - انظر إلى تلك الحقيقة التي تشير إلى أن الملايين من الأمريكيين لا يزالون مؤمنين بأن العراق تمتلك أسلحة دمار شامل, وأن هناك علاقة تربط بين صدام حسين وتنظيم القاعدة, وأن أحد العراقيين كان من بين منفذي هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
وتعتبر الدعاية في أوقات الحروب ضرورية من أجل الاحتفاظ بمشاركة الجبهة الداخلية في الحرب, وأيضًا من أجل إقناع الشباب رجالاً ونساءً أن القتل في قضية عادلة يعد أمرًا مشروعًا. إننا نعلم أطفالنا 'ينبغي عليك أن لا تقتل أحدًا', ولكننا ندرب الجنود على القتل. ينبغي مساعدة حتى المتمرسين من الجنود على التغلب على إحجامهم عن القتل. الدعاية هنا تتولى طمأنة الجنود وطمأنة أسرهم.
هل هذا خطأ؟! هل يمكن أن تكون الدعاية أمرًا صائبًا أم أنها دائمًا قوة سيكولوجية من الشر؟! صف شخصًا بأنه دعائي, وستجد أن صور هتلر وجيوبلز سوف تتراءى أمامك. وعلى الرغم من هذا فإنه أثناء الحرب العالمية الثانية التي حازت تقريبًا على تأييد الشعب الأمريكي بأسره, استخدمنا الدعاية بكثافة داخل الولايات المتحدة وخارجها؛ ما ساعد على بقاء الحرية.
ولكن الصراعات التي تحدث اليوم ليست دائمًا محددة مثل تلك الصراعات التي كانت تحدث بين الديمقراطية الغربية ضد سياسات الإبادة الجماعية النازية والتسلح الياباني. فاليوم يتم شن الحرب على 'الإرهاب' - ذلك المصطلح الذي صار معتمدًا - ضد عدو مجهول لا نعلم ماهيته, عدو مكون من عدد من الأشخاص الغامضين لا ينتمون لأمة بعينها وليس لديهم جيش خاص بهم. هذه الحرب لن تنتهي مطلقًا [إنني أشفق على الرئيس الذي أعلن انتصاره على العدو في اليوم الذي سبق انفجار إحدى القنابل]. الأمة التي تكون منفعلة بشكل دائم سوف تظل تقتنع كثيرًا بما يصلها من أنباء, إلا إذا حدث إفراط في إطلاق التحذيرات الكاذبة أو إذا اكتشفنا أن من يقوم بنشر هذه التحذيرات ينشر أكاذيب أو أنصاف حقائق - وهو الأمر الذي يميز الكثير من الدعاية.
ويقترح العالمان النفسيان براتكانيس وأرونسون أربع استراتيجيات تساعد على نجاح العملية الدعائية:
مرحلة ما قبل الإقناع, وهي عبارة عن خلق مناخ يساعد على تصديق الرسالة المراد توصيلها للناس.
مصداقية المصدر بأن يكون مبلغ الرسالة محبوبًا أو موثوقًا به.
أن تركز الرسالة على أهداف بسيطة وقابلة للتحقيق.
إثارة المشاعر وتقديم رد الفعل المطلوب.
وقد قامت إدارة بوش باستخدام هذه الاستراتيجية في أمريكا أثناء انتخابات عام 2004, ولكن مصداقية الرئيس انخفضت مع دخول حرب العراق عامها الثالث.
وعلى الرغم من هذا, فإن هذه الاستراتيجيات الأربع لم يكن لها أي تأثير في العراق.
فبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر بفترة قليلة, وقبل أن نقوم بغزو العراق, شرعت الإدارة الأمريكية في إطلاق حملة 'تلميع أمريكا' في منطقة الشرق الأوسط. وتمت استشارة كبرى شركات الدعاية وجرى استدعاء شارلوت بيرز, المديرة التنفيذية الأسطورة بشركة ماديسون أفينيو للدعاية, وتم تعيينها نائب وزير الخارجية للشئون الدبلوماسية.
وتعد بيرز آخر مسئول دعائي يحاول التغلغل في المنطقة. وذلك حيث إن جهودنا الدعائية تعود على الأقل إلى فترة إدارتي ترومان وآيزينهاور, أي في ذروة الحرب الباردة, وتشمل هذه الجهود التمويل السري لدور النشر العربية وتقديم الرشاوى للصحفيين, وهي نفس الوسائل الأساسية التي يتم استخدامها اليوم في العراق من قبل جيل جديد من المحاربين السيكولوجيين.
وقد اعتمدت بيرز على خبرتها في العلاقات العامة الخاصة بالشركات, والتي يتم فيها تخصيص 'شعار يعبر عن الهوية الأمريكية' ويكون هناك سعي متواصل للاحتفاظ بهذا الشعار عن طريق إرسال رسائل بسيطة وجذابة لا تستدعي أية تعليقات بالسلب أو الإيجاب من الجماهير. ويعتبر الأمريكيون معتادين على هذا الأسلوب. ويصلح العمل بهذه الوسيلة في عالم الشركات كما يصلح العمل به أيضًا في أغلب الأحيان في عالم السياسة.
وفي الفترة التي سبقت احتلال العراق, تم شن حملة هائلة للترويج للولايات المتحدة الأمريكية, وخاصة تلك التي تستهدف الشباب من العرب. فقد تم نقل صور حسنة عن العرب الأمريكيين وانتشر استخدام موسيقى البوب بصورة كبيرة, كما انتشر نظام فيديو 'إم تي في' الذي يهدف إلى نشر الأغاني بقصد إذاعتها ونشرها, ولا يهدف من وراء هذا لأية أغراض تجارية, كل ذلك كان يجري في الوقت نفسه الذي كنا نعد فيه لغزو أحد البلاد العربية.
ولكن الاستفتاء الذي تم إجراؤه في المنطقة أظهر أن الولايات المتحدة مازالت في أدنى مستوياتها. وقد صرحت بيرز - وهي تشعر بالإحباط - للكونجرس: 'إننا ليس لدينا إلا خيار واحد في الشرق الأوسط والمنطقة الجنوبية الشرقية, علينا أن نشتري الإعلام نفسه', وبناءً على هذا حاولنا أيضًا شراء الإعلام, ولكن الاستفتاءات أظهرت فشل الولايات المتحدة في تحقيق أية مكاسب.
لقد أعطى بعض النجاح الذي تم تحقيقه في أفغانستان حافزًا للولايات المتحدة التي وجدت أمامها المجال مفتوحًا بسبب قلة وسائل الإعلام الحقيقة هناك, فعمدت إلى ملء هذا الفراغ بأجهزة الإعلام المدعومة من قِبل الولايات المتحدة. ولم يتم الكشف عن دور الولايات المتحدة. ففي تصريح لصحيفة نيويورك تايمز, قال أحد كبار الضباط بفرع العمليات السيكولوجية: 'ليس لدينا أية متطلبات كي نلتزم بمبادئ الموضوعية الصحفية'. ففي أفغانستان قلة المنافسة الإعلامية ساعدت الإعلام المدعوم من قبل أمريكا على الترويج للرسالة التي تسعى الولايات المتحدة لنشرها.
ولكن أفغانستان ليست دولة عربية, ففي منتصف شهر ديسمبر, أوقفت وزارة الخارجية نشر المجلة الشبابية 'مرحبًا' التي تصدر باللغة العربية, والتي فشلت في اجتذاب قاعدة عريضة من الجماهير العربية, مثلها في ذلك مثل غيرها من وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية التي تدعمها الولايات المتحدة.
ويتم استبدال بيرز سيئة الحظ بكارين هيوز, أحد أكثر المستشارين قربًا من الرئيس. ويستمر البنتاجون في إنفاق الملايين على أساليب بالية قد أثبتت فشلها. ففي هذه البيئة التي يسود فيها التنافس الإعلامي في عراق ما بعد صدام, أصبحت الولايات المتحدة غير قادرة على أن تنفذ إلى الشعب عن طريق نشر تلك الرسائل التي تظهر الولايات المتحدة في صور حسنة وتدعو من خلالها إلى نشر الديمقراطية. وبعد أن منحت وزارة الدفاع الأمريكية ملايين الدولارات لإحدى شركات المقاولات الخاصة, وهي شركة لينكولن جروب, كي تتولى الدعاية المؤيدة للولايات المتحدة الأمريكية, يتم الآن إجراء تحقيقين مع هذه الشركة.
وقد قدم السيد أحمد ماهر, وزير الخارجية المصري السابق, في شهر إبريل الماضي وصفًا 'لصورة أكبر توضح أن المشكلة التي تواجهها الولايات المتحدة في العالم العربي والإسلامي لا يمكن أن تعالج عن طريق ممارسات العلاقات العامة. يمكن مواجهة هذه المشكلة فقط من خلال إحداث تغيير حقيقي في السياسات والمواقف'.
وقد فشلت الدعاية الأمريكية في العراق والشرق الأوسط في جميع الاستراتيجيات الأربع, وخاصة البند الخاص بالمصداقية. إننا ندرس حقوق الإنسان ولكننا نعذب السجناء من المسلمين أو نقوم بحبسهم لعدة سنين في معتقلات سرية بدون توجيه أية تهم لهم. إننا نتحدث عن الديمقراطية ولكننا ندعم الحكام المستبدين في بعض الدول العربية. تعطشنا للنفط يثير الشكوك في دوافعنا, تمامًا مثلما يفعل إنشاؤنا لقواعد عسكرية ضخمة بالعراق. والأهم من هذا كله, فإن العرب ينظرون للولايات المتحدة على أنها المساند الصامد لإسرائيل في احتلالها للأراضي الفلسطينية الذي دام أربعة عقود.
وحتى أكثر الدعائيين مهارة في العالم يعملون ضد ما يطلق عليه الإسرائيليون 'الحقائق على الأرض'. أفعالنا تناقض أقوالنا وتغذي الآت الدعاية لمن يبغي إلحاق الأذى بنا. في الشرق الأوسط إنهم هم وليس نحن من يملك المصداقية.