كيــف نصبـر عنـد المحــن؟


كل منا في هذه الحياة قد تعرض لكثير من المصائب والمحن

ولابد ان البعض منا شرب من الهموم والغموم ما الله وحده به عليم

حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت كما يقولون .


وقد تتوالى أحيانا" المصائب والمحن على المرء , فلا يصحو من مصيبة الا والاخرى متشبثة بها !!

وقد لا يرى الفرح والسرور الا نادرا" ,,


ذكر الشافعي رحمه حين عن قلة السرور وكثرة الغموم فقال :

محن الزمان كثيرةٌ لا تنقضي ... وسرورها يأتيك كالأعياد !!

ولأن المصائب أحيانا" قدلا تأتي فرادى قال في ذلك :

تأتي المكاره حين تأتي جملةً ... وأرى السرور يجيء في الفلتات !!


نعم قد تتكالب المصائب على الانسان وتتوالى عليه مجتمعة

و ربما يفقد المرء معها توازنه بعض الشي ,,

ولكن الانسان المؤمن مهما تكاثرت عليه الشدائد والمحن ، نجده واثق برحمة ربه عز وجل متوكل عليه ،متيقن من انفراج الشدة وزوالها حتى في أشد الظروف .

فكل منا معرض لمواجهة الشدائد والمحن ، والعديد من الابتلاءات والامتحانات ،

وعندما تنزل المصائب والمحن والكربات بالانسان فإن الدنيا تظلم أمام عينيه ، وتضيق عليه الأرض بما رحبت ، والناس يختلفون في إستقبال الشدائد فمنهم من يتبرم ويتضجر وييأس ، ويجزع ويفزع ، أما المؤمن فيؤمن بقضاء الله ويسلم الأمر كله له ، ويصبر ويفزع إلى الله بالتضرع والاستعانة بالدعاء يلتمس من المولى عز وجل الفرج ،ويحسن الظن بربه وخالقه ، ودائما" يرى المؤمن الحق بارقة أمل وومضة من نور الفرج في ظلمات المحن والأهوال .

ولكن يبقى السؤال : ماذا يفعل المؤمن لدفع ما ينزل به من الهموم والكدر والأحزان ،وكيف يتصرف في الشدائد والملمات ؟

والاجابة : لابد لنا قبل كل شيء من أن نحسن صلتنا وعلاقتنا بالله سبحانه ، فالله وحده المعين والرابط على القلوبِ والمثبت لها،

ووسائل التقرب والالتجاء إلى الله كثيرة ولا نستطيع أن نُحصيها ، ولكن كل واحد منا أدرى بنفسه وبعيوبها وبما يُصلحها فيجب عليه الإكثار من الوسائل المعينة له على القربِ من الله.

وأتمنى من الجميع إخوة وأخوات أن نتعاون هنا ، لنضع أفضل النصائح ، لكل مؤمن يمر في وقت عسر ، أو حزن أو مرض ، أو نقص في الأموال والرزق ، أو مصاعب تواجهه في حياته ...!!!

ونبدأ بذكر النقطة الأولى :

من أهم الأمور التي تساعد الانسان للخروج من الشدة بسلام :

1- الإيمان المقرون بالعمل الصالح .

2- أن يعلم المسلم بأن الدنيا فانية قليلة المتاع .

كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

"الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"

3- تحقيق التوحيد لله.

4- تقوى الله ، لقوله تعالى :

" ومن يتق الله نجعل له مخرجا" ويرزقه من حيث لا يحتسب"

5- حسن الظن بالله تعالى وإنتظار الفرج : وتذكر قوله تعالى :

" وإن مع العسر يسرا "

6- التعرف إلى الله والشكر في الرخاء:

إذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة ، ويسخر لكم الأسباب .

ولقوله تعالى :

"فلولا أن كان من المسبحين ، للبث في بطن الحوت إلى يوم يبعثون ".

7- الاستعانة بالصبر والصلاة :

لقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا ، إستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين " .

8- كثرة الاستغفار :

لأن البلاء لا ينزل إلا بذنب ، ودواء الذنوب الاستغفار .

لقوله تعالى :
" إستغفروا ربكم إنه كان غفارا" ، يرسل السماء عليكم مدرارا ،ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا".

9- الدعاء والخشوع والتوجه لله مع الاضطرار والتذلل :

يقول الله تعالى : " أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء "

من أهم النصائح المعينة على الصبر و تجاوز الشدائد والمحن

1 - عند نزول المصائب لنردد مرارا"
(لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم )

وحسبنا الله ونعم الوكيل .


يقول الله سبحانه و تعالى :

" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ" (157) البقرة .

دعاء :"اللهم يا مفرج الهم فرج همي وكربتي فقد ضاق صدري ونفذ صبري وانت المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله".

2- لنعلم جميعا" أن الله يأجر المؤمن على كل صغيرة و كبيرة في هذه الحياة حتى الشوكة يشاكها المسلم يؤجر عليها.

وعن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه " رواه البخاري ..

أخواتي يقول الله تعالى في كتابه الكريم:

(أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلُكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذَكَّرون). {النمل 62}.

ويقول تعالى عن الدعاء:

( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون).{البقرة 186}.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم :

(الدعاء هو العبادة).

ثم قرأ: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) غافر60.
رواه أبو داود والترمذي. بإسناد حسن صحيح


لاحظوا معي كيف عبَّرت الآية عن ترك الدعاء بالاستكبار عن عبادة الله عز وجل , وجعلت مصير هؤلاء المستكبرين دخول جهنم داخرين صاغرين.


ويقول أيضاً:

(إن الله حيّي كريم، يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردّهما صفراً خائبتين). رواه أبو داود والترمذي وحسنه.

تنبع أهمية الدعاء من كونه صلةً بين العبد وربه , ليس بينه وبين الله حجاب ,

وعندما يَحسن دعاء المرء ربّه بقلبٍ خاشعٍ وَجِل دون تكلُّف , فإن أبواب السماوات تفتح أمامه ، وتنقشع الحجب عن روحه وقلبه , ليصبح من أهل مقام الإحسان ،

الذي بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:

(الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).متفق عليه

وأن صَلاح جميعِ العبادات والخروج من الأزمات والشدائد متوقّف على صلاح صلة العبد بربه واستشعاره بجلاله وقربه وعظمته , وهو أقرب ما يكون في حالة الدعاء المشتمل على التضرّع والتذلل على باب الرحمن...


الدعاء زوّادة المؤمن يمدّه بالصبر ويشحنه بالرضا بكل ما يقدره الله تعالى,

فعندما يصاب المؤمن بالمصائب والأزمات لن يجد له مدداً ولا عوناً إلا على باب الرحمن , يبثه همومه وآلامه ويشكو إليه حاله

فالمؤمن يطلب من الله وحده أن يفرج كربه ويلهمه الصبر والسلوى, وعندما يصدق في الدعاء سيشعر بشلال من النور يسري في روحه وصدره , فيستعيد قوته ونشاطه وصبره وعزمه وثباته...

وحتى يصل العبد إلى هذه المرحلة من الصدق في الصلة مع الله عز وجل عليه أن يطرق باب الرحمن بالدعاء كل يوم .. وفي جميع أحواله ... !!

كثيرون هم الذين يغفلون عن أهمية الدعاء في حياة المؤمن , فإذا ما أُصيبوا بمصيبةٍ هرعوا فدعوا وتضرّعوا.

لا شكّ أن باب الله تعالى مفتوح دائماً لعباده الملتجئين إليه، ولكن لا شك إيضاً في أن من سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد, فليكثر من الدعاء والتسبيح في الرخاء.


فلقد قال الله تعالى عن يونس عليه السلام حين التقمه الحوت:

(فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يُبعثون).الصافات 143-144

وهنالك أناساً يكثرون من الدعاء ولكنهم لا يعرفون فقه الدعاء وآدابه , .

***** *****
ويشترط لاستجابة الدعاء أن يكون مال المرء حلالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: في الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب..يا رب، مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذّي بالحرام، فأنّى يستجاب له. رواه مسلم عن أبي هريرة رقم 1015

ومن شروط الدعاء أيضاً أن يدعو المرء ربّه بقلب خاشع وجلٍ مستشعر جلال الله وعظمته، وأن يوقن بالإجابة.

اعلمي أختي رعاك الله ، أن ما أصابك لن يزيله عنك إلا من كتبه عليك ...

لذا ليكن الدعاء هو أول الطرق التي تسلكه .. و هو أنجح الطرق التي تطلب ... و أسرعها وصولاً ... و أصوبها سبيلاً ...
ومن الأشياء التي تسلينا و تدلنا إلى سبيل السعادة... هو كيف نرتقي بمستوى سعادتنا المطلوبة... و نغير من خارطة طموحاتنا المرسومة....

فنجعل السعادة الأبدية هي كل مطلبنا ... فلنا أن نتخلص من همومنا العارضة بمقارنتها بهموم أعظم ... و شحن النفس بهمم أعلى ...

و لعل المتأمل لما كان عليه الرسول الكريم و صحبه الكرام رضي الله عنهم...يجد أن هم الدعوة هو كل همهم ... وإبلاغ الدين هو غايتهم ...
فتكبدوا في سبيله الشدائد و المحن.... فأصابهم الهم والنصب والغم و الكرب خلال ذلك الطريق ...
ولكن رغم ذلك نجد بأنهم كانوا سعداء ... والسبب وراء ذلك لأنهم يسيرون في ذلك الطريق الذي تهون و تصغر في سبيله كل مصيبة و كل محنة... إنه سبيل رضا الرحمن الموصل إلى أعالي الجنان.

إن في قصص الأنبياء العبرة و العظة التي تجعلنا نمضي في سبيلنا بلا تردد ... و أن نسير في حياتنا بلا خوف من عوارض الزمان....

فمهما نالتنا الدنيا بشديد مصائبها فهي أقل مما تعرض له الرسل...بل إن في قصصهم عبرة و في انبثاق النور عليهم بعد الكرب فرحة لمن كان مهموم....

فسورة يوسف أيتهــا الإخوات هي خير تصبير للحزين. ..فيها قصص و عبر من ابتلاءات متنوعة ... فيها هموم و أحزان أب .... فلم ييأس وصبر وشكا لمولاه وحده وقال : (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله).


و لعلنا أيضا" إن نظرنا إلى سورة الحشر وتأملنا ، ففي آياتها عرض و نماذج من الابتلاء لكل نبي من الأنبياء .... تمر و تعرج عليهم . ..

فيها وقفات و عضات للمتأمل ...كيف ينبثق النور و كيف تنفك الكروب وكيف ينجي الله عباده الصالحين و لو بعد حين .

عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال :

" كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما ، فقال :

( يا غلام ، إني أُعلمك كلمات : أحفظ الله يحفظك ، أحفظ الله تجده تجاهك ، إذا سأَلت فاسأَل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) .

رواه الترمذي وقال :" حديث حسن صحيح ".

فمن أخذ بهذا الأحاديث أسقاه الله اليقين و ألبسه الله الرضا و أقنعه الله بالقضاء ....فكن محتسباً لله بالأجر و متمسكاً بالصبر .

و هل هناك أشد مرضاً من نزول المصائب ... و نكد العيش أو وقوع الاكدار ... لنمد أيدينا لضعيف .. ولنواسي محتاج... ولنساعد منكوب ... فقد يدعوا لنا بدعوة تكون هي الفكاك .


عندما نفقد عزيز فالحزن ممكن لفترة ، لكن أولا" وآخرا" يجب علينا الرضا بالقضاء و القدر ... فالنفس تجزع و القلب يدمى و العين تدمع ...

لكن هل نستمر أو هل يعود المفقود أو تمحى الأقدار إن جزعنا...لا ...

فيجب أن لا تأخذنا الأحزان و تجعلنا ننسى أنفسنا و واجباتنا الأخرى... فالاستمرار بالحزن من شأنه أن يولد مشاكل أعم و أكبر و أعظم .

البحث عن طرف آخر خارج نطاق همومنا ... ليسمع منا وينصحنا ويرشدنا ،
فالحديث و التخاطب والاستشارة من العلماء والصالحين هي سبيل مفيد لازالة الهم عن النفس خاصة إذا وافق ذلك إنساناً حكيماً .

حتى لا نقع فريسة للهموم المتراكمة ... فيجب أن نبتعد عن الفراغ الذي يدور بعقولنا في دائرة الهم كما تدور الرحى .... فهي تأكل من أعمارنا و تشل أركاننا .

و نردد " وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد " ونتوكل على الله في حل أي مشكلة .


اشغال النفس بالمفيد... ... و إن كانت لا ترغب فيستحسن أن نطوعها بالخير حتى لا تطوعنا للشر وتتملكنا الوساوس.

الاستعانة بالله للثبات ،و العبادة ... و إشغال النفس بحفظ القرآن الكريم و جعل ساعة على الأقل في كل يوم يختلي بها المؤمن مع الله ،

فيذكر الخالق عز وجل ويناجيه ويتوسل ، ويستغفره ، ويجعل له ورد يومي من قراءة القرآن والدعاء ...وتكرار الأدعية والأذكار التي تزيل الكرب مع اليقين بالإجابة ... وذلك لحفظ النفس من كل داء و مصاب و لرفعها عن كل كدر و الاستمرار في ذلك مما يشرح القلب و يزيد من شحنة الإيمان التي هي العون على مصائب الزمان...

الاستعانة بالصلاة وخاصة قيام الليل ، فهي المعينة بعد الله .

عند الاحساس بالظلم والألم والحزن الشديد ، علينا التفكر بحال الفقراء والمنكوبين في بلاد الحرب ... وكيف يعيشون و يعانون ويصبرون على البلاء والاعتبار بما أصابهم ... و مواساتهم ففي ذلك راحة للقلب و تصبير على المصائب .

حضور مجالس الذكر و مخالطة الصالحين ... فمنهم نرى الطريق الصحيح ... و تلك المجالس تحفها الملائكة ... فهناك تلين القلوب وتعظم الهمم و تهون في النفس كل مصيبة...


من فرج هماً لمسلم فرج الله همه يوم القيامة ومن نفس كربة من كربات الدنيا نفس الله له له كربة من كربات يوم القيامة ..

و إن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه...تلمس هموم المسلمين و ومواساتهم ففيها مواساة للنفس و عون من الله

الاخلاص في العمل والعبادات والقلب والنية والتعامل والأخلاق لنخلص في جميع أعمالنا لله ...و احتساب جميع المصائب عنده ...

و لا ننتظر ممن حولنا الشكر ... و لا نجزع مما أصابنا من الكروب و الهموم ....فهي أحزان الدهر التي تمر و إن احتسبناها أجرنا ...و إن جزعنا منها فقدنا ثواب الصبر و تجرعنا مرارة المصيبة .

مراجعة النفس كل يوم ، وإبقاء الضمير حي دائما" ،

خيبات الأمل تتعدد .... وهي مشاكل تنتج عن خط إيجابي يسير فيه إنسان ... فيصتدم بأن واقعه غير الذي يسير فيه ...

اللهم لاعلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .