الاسترخاء
مع تزايد ضغوط العمل اليومية، فإن الكثيرين لا يمكنهم التخلص منها وما ينتج عنها من إرهاق بدني وذهني حتى بعد انتهاء مواعيد العمل وعودتهم إلى منازلهم، وهو ما يجعل من ممارسة تمارين الاسترخاء في المنزل أمرا مهما.


ويحذر الأطباء ومتخصصو علم النفس من مغبة الاستسلام لضغوط العمل اليومية ومصاحبتها للمرء حتى بعد الانتهاء من مواعيد العمل، إذ إنها ستؤدي حتما إلى إصابتهم بالشد العضلي والعصبي فضلا عن الأمراض المصاحبة لها مثل ارتفاع ضغط الدم الذي يعد أهم الأمراض الناشئة عن الضغط العصبي.
ولذلك فإن متخصص علم النفس الألماني لوتس هيرتيل يؤكد أهمية ممارسة تمارين الاسترخاء في المنزل، موضحا أن الأمر لا يستلزم الذهاب إلى مراكز الاستشفاء والاستجمام، حيث إنها تمارين بسيطة يسهل تعلمها ويمكن ممارستها بكل سهولة ويسر في المنزل وفي وقت يراه المرء مناسبا له أثناء اليوم ودون أية نفقات.
ويرغب الكثيرون في التخلص من الإرهاق الذهني لكنهم غالبا لا يتحمسون لفكرة الذهاب في مواعيد محددة إلى نواد أو مراكز الاستشفاء والاستجمام متحججين بأن وقتهم لا يسمح بذلك.
ويرى هيرتيل وهو عضو بالجمعية الألمانية للاستشفاء والاستجمام في مدينة دوسلدورف، أن من المهم للغاية تقليل آثار العوامل الخارجية المسببة للتوتر والضغط العصبي من خلال إجراء بعض الأعمال البسيطة، كأن يقوم المرء بإعداد كوب من الشاي لنفسه أو الاستحمام أو سماع الموسيقى الهادئة أو الطهي، مؤكدا أنه "حتى الأشياء البسيطة يمكن أن يكون لها مفعول السحر".

شعور بالمرح
في الوقت نفسه، يشير هيرتيل إلى أهمية أن يشعر المرء بالمرح عند إجرائه لهذه الأعمال البسيطة وأن تتحول هذه الأشياء إلى أحد الطقوس التي يعتاد المرء فعلها كلما رغب في الاسترخاء.
ويفسر ذلك بقوله إن علم النفس الحديث توصل إلى أن تعوّد المرء على فعل أشياء بعينها ترتبط في ذهنه بالمرح والسعادة يلعب دورا هاما للغاية في سرعة التخلص من آثار الضغط العصبي. فإذا ما سارع المرء إلى فعل أحد هذه الأشياء التي تدخل السرور إلى نفسه عند شعوره بالتوتر ستزول آثار الضغط العصبي على الفور.
وتعد اليوغا من أشهر الطرق وأقدمها للتخلص من آثار الضغط العصبي. حيث تشير آنا تروكيس، وهي مدربة ومؤلفة لكتاب عن هذه الرياضة، إلى تمارين يمكن ممارستها في المنزل بسهولة مثل تمارين التنفس التي لا تتطلب أكثر من التنفس بعمق "الشهيق" مع مد اليدين للأمام أو رفعها إلى أعلى وتثبيتها على هذا الوضع لثوان معدودة ثم إنزالها مجددا أثناء إخراج النفس (الزفير)، مع تكرار هذا التدريب عدة مرات.
وتقول تروكيس إن أهمية تمارين اليوغا بشكل عام تتمثل في قدرتها الفائقة على خفض إفرازات مسببات الضغط العصبي "الأدرينالين والكورتيزول" مما يؤدي بدوره إلى خفض القيم العالية لضغط الدم وتقليل معدلات سرعة ضربات القلب والشد العضلي.
وبدوره فإن هيرتيل يؤكد أن التأمل طريقة هامة للغاية تمنح من يمارسها إحساسا بالاسترخاء لا مثيل له، نظرا لأنها تتيح إمكانية التحكم في الأفكار.
ويضرب هيرتيل مثلا على ذلك فيقول إن المرء يمكنه التركيز على منظر معين يرتبط في ذهنه بذكريات جميلة، كأن يتذكر مثلا منظر البحر البديع الذي قضى على شواطئه عطلته في العام الماضي.

إيحاء نفسي
وهناك أيضا ما يعرف بتمارين "التحفيز الذاتي"، وهو أسلوب وضعه الطبيب النفسي الألماني يوهانس شولتس ويتضمن تمارين تعتمد على الإيحاء النفسي.
ويعطي سيباستيان رايش متخصص أمراض النفس بالعاصمة الألمانية برلين أمثلة لهذا النوع من التمارين بأن يتمدد المريض على ظهره ويردد عبارة معينة، كأن يقول "إن يدي ثقيلتان" ويظل يكرر العبارة حتى يبدأ في الشعور فعلا بثقل يده اليمنى وبعدها يكرر الأمر على يده الأخرى ثم قدميه وعندها يشعر بالاسترخاء التام ويتخلص من آثار الضغط العصبي.

وأخيرا فإن هيرتيل يلفت إلى أن إجراء تمارين الاسترخاء في المنزل لا يعني أنه يمكن ممارستها في أي وقت أو أي مكان بالمنزل، حيث تخضع التمارين في هذه الحالة أيضا لعدة قواعد ينبغي أخذها في الاعتبار لتحقيق الاستفادة القصوى منها.
من هذه القواعد أنه يجب اختيار مكان يتسم بالهدوء ويخلو من عناصر الضوضاء والإزعاج -كالهاتف مثلا- ومن العناصر المسببة للتوتر والضغط العصبي كغسالة ملابس، كما ينبغي مراعاة إجراء تمارين الاسترخاء بصفة منتظمة وليس على فترات متباعدة، كي يتسنى تحقيق الاسترخاء المنشود