صفحة 2 من 35 الأولىالأولى 1234567812 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 518
  1. #16
    abo_malek_ali غير متواجد حالياً عضو نشيط
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الإقامة
    في ارض الله
    العمر
    33
    المشاركات
    2,314

    افتراضي مشاركة: المسلمون في الغرب

    وهذا يا سيدي ما يريدونه الغرب تسفير المسلمين وابعادهم عن تلك الارض لانهم ايقنو ان الصحوه في هذه البلاد تشكل خطرا علي ديانتهم الواهنه
    باختصار (يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) ولايات علي ذلك كثيره جدا
    شكرا علي الموضوع
    كثر الله من امثالك اخوك ابو مالك

  2. #17
    الصورة الرمزية أبو عبد الله
    أبو عبد الله غير متواجد حالياً عضو المتداول العربي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    32,515

    افتراضي مشاركة: المسلمون في الغرب



    أخي أبا مالك،
    من يستقريء أحداث العالم منذ عام 1984 إلى اليوم يدرك أن أحداثاً جسام ستغير الموازين.
    والخير قادم بإذن الله ليحول العالم عن قريب ، وقريب جداً إلى معسكرين لاثالث لهما،
    إيمان وكفر.
    ولاشك أن الدور الأكبر لزيادة نسبة الإيمان في العالم هو للمسلمين المقيمين في الغرب.
    لعل المطلعين من أهل الغرب أدركوا حقيقة الصدام القادم لامحالة، فأرادوا كسب نقاط فيه
    قبل الشوط الأول في المباراة.
    لكنهم لايدركون أن سنة الله سارية في الكون مهما مكر الماكرون.

    أنظر إلى الكاريكاتير التالي لتر مدى تجني الغرب على المسلمين لا لسبب غير كونهم مسلمين
    ولذلك هم يكيلون بمكيالين كما يقال.

    الصور المصغرة للصور المرفقة الصور المصغرة للصور المرفقة اضغط على الصورة لعرض أكبر

الاســـم:	468720619.jpg‏
المشاهدات:	439
الحجـــم:	76.1 كيلوبايت
الرقم:	19719  

  3. #18
    الصورة الرمزية أبو عبد الله
    أبو عبد الله غير متواجد حالياً عضو المتداول العربي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    32,515

    افتراضي مشاركة: المسلمون في الغرب

    الألمان والإسلام... تجارب داعية

    د. عبد الله الأهدل



    تبادل التجارب الدعوية ضرورة تحتمها ما ينتج عنه من إثراء للدعوة, واختصار للوقت، والبناء على قواعد وأسس السابقين, والمواصلة على طريقهم. ومن هذا المنطلق؛ فإن تجربة الداعية الألماني المسلم الشيخ محمد صديق – خريج الجامعة الإسلاميّة – تجربة حريّة بالدراسة والاهتمام.



    تعريف بالداعية:

    ولد الشيخ محمد صديق سنة 1944 م في مدينة برلين، ودرس في جامعة أم درمان الإسلامية في الفترة 1967-1970م ثم انتقل إلى الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة, فدرس في كليّة الدعوة وأصول الدين في الفترة 1970-1974م, وتخرج منها، ثم جاء إلى ألمانيا. وأسس في دار مستأجرة بمدينة آخن الألمانية جمعيّة للدعوة سنة 1981م، ثم انتقلت الجمعيّة إلى القرية التي هي فيها الآن منذ سنة 1983م.

    ومن أهداف الجمعيّة: متابعة المسلمين؛ لتكون لهم مراكز اجتماعيّة طيّبة في هذا البلد, كاستثمار الأموال.

    وإليك نص الحوار:



    سؤال: متى سمعت عن الإسلام في حياتك؟

    جواب:كنت في الأصل بروتستانتياً ملتزماً، وسمعت عن الإسلام بادئ الأمر في المدرسة، وما سمعته كان ذم, وتشويه له. وأما أول اتصال بالمسلمين لي كان سنة 1961م في مدينة "برلين" حيث كانت توجد جمعيّة طلابيّة إسلاميّة من الألمان، وكان لها نشاط طيّب جدّاً في ذلك الوقت. وقد كنت راغباً في أن أسمع شيئاً عن الإسلام, فحضرت بعض الاجتماعات التي كانوا يعقدونها في الأماكن العامّة، ومنها الاحتفال بالعيد. وبعد أن سمعت من المسلمين بعض ما يتعلّق بدينهم، ورأيت بعض تصرّفاتهم, بدأت القراءة عن الأديان الأخرى: كاليهوديّة, والنصرانيّة، وقرأت - " لمحمد أسد"- وبعض دواوين "إقبال" المترجمة إلى اللغة الألمانيّة. ودخلت في الإسلام سنة 1962م . وبدأت دعوة غير المسلمين إلى الإسلام.



    سؤال: ما أهم ما يؤثر في الألمان من موضوعات الإسلام؟

    جواب: تصحيح الروابط الاجتماعيّة، ولا يوجد لهذه الروابط تصحيح في أي دين مثل دين الإسلام. فهنالك أمور مهمّة تشغل بال الغربيين، ولها حلول في الدين الإسلامي، بمعنى أن تناول مثل تلك المواضيع أمام الألمان, وطرح الحلول الإسلامية له تأثير كبير.



    سؤال:هل توجد رسالة, أو كتاب عن العقيدة الإسلاميةّ باللغة الألمانيّة؟

    جواب:لا توجد رسالة باللغة الألمانيّة؛ يمكن أن تؤثر في الألمان, وينبغي أن تؤلّف رسالة في هذا الموضوع.



    سؤال:ما الوسائل المؤثّرة في الألمان؟

    جواب:هناك مجموعة من الوسائل التي نتبعها:

    1-تجسيد الحياة الاجتماعيّة الإسلاميّة؛ كالمخيّمات، وتكون فيها برامج تربويّة. ومشاركة الشخص في مخيم واحد لمدّة أسبوع يؤثّر فيه بشكل كبير.

    2-طباعة الكتب, وتوزيعها؛ لأن المراكز الإسلاميّة, لا تغطّي الحاجة.

    3-الندوات العلميّة, والمحاضرات.

    4-اللقاءات الكبيرة. ونحن نقيمها كل أربعة أشهر.

    5-الرحلات الجماعيّة في ألمانيا, وغيرها.

    6-إقامة معارض كتب، بعد الاستئذان من البلديّة.

    7-إقامة محاضرات, ويعلن عنها في يوم مفتوح, ويكون يوم الأحد. واليوم المفتوح معروف لدى الألمان، وقد خصص أوتوبيس للدعوة.

    8- إقامة معارض للوحات فنية فيها ما يدل على معان إسلاميّة تلفت النظر.

    أما الوسائل الإعلاميّة فقد ابتعدنا عنها لعدم وجود أشخاص يساعدوننا على نشر الحقائق الإسلاميّة من خلالها، وهذا الابتعاد تسبب في استغلال الآخرين لها, وتفوقهم باستغلالها.

    وأرى ختاماً أن أهم الوسائل لنشر الإسلام, وتبيانه في ألمانيا؛ هو إنشاء مدارس إسلاميّة فيها.



    سؤال:هل تظن أن الحجّة قد قامت على أهل أوروبّا بالدعوة إلى الإسلام، وبخاصّة ألمانيا؟



    جواب:أغلب الأوروبيون يعرفون عن الإسلام أفكاراً مشوّهة، ولا أرى أن الحجّة قد قامت عليهم. وأغلب المسلمين فيها لا يطبّقون الإسلام، ولذلك لا توجد القدوة الحسنة التي يراها الناس. ولو أراد الإنسان أن يبحث عن الحق فأمامه مئات الأديان والفلسفات، وتوجد التيارات المضادّة, والقدوة السيئة، وعليه فإن البيان النظري نفعه قليل مع انعدام القدوة الحسنة.



    سؤال :ما المشكلات التي تواجهونها في الدعوة إلى الإسلام؟

    جواب:عدم وجود الشخص المسلم الذي يبذل نفسه, وماله في العمل؛ للإسلام، وأغلب الذين اعتنقوا الإسلام, إنما اعتنقوه بأسباب عمليّة, وقدوة حسنة, وعلاقات اجتماعيّة. فمثلاً الدار – أي الجمعيّة – لا تقبل المساعدات الرسميّة بسبب نظرة الناس هنا إلى من يقبل تلك المساعدات، حيث يتهمونه بأنه عميل للدولة المساعدة، ولهذا فإن المساعدات التي تردنا فرديّة أو اشتراكات من المسلمين. والذي يشارك في نشاطات المركز، كالدورة التي تقام في الصيف مثلاً، يدفع عشرة ماركات يوميّاً، والذين يسكنون في الدار يدفعون أجرة لتغطية تكاليف الصيانة وغيرها. وفكّرنا في موضوع استثماري, فاشترينا فندقاً صغيراً للمسلمين، ولم ينجح المشروع كما نريد؛ لأنّه لا يقصد من قبل الزوار إلا في بعض الأوقات.

    ونحن حين اشترينا الدار, فوقف الناس – ومن ضمنهم عمدة القرية - ضدّنا, وحاولوا منعنا من مزاولة النشاطات الدعوية في القرية، إلا أن تصرف الأخوة, ومعاملة الناس بالحسنى دفع أهل القرية, ومنهم العمدة إلى أن يعاملوننا بالمثل.



    سؤال:كيف تنظر لمستويات الدعاة والمدعوين؟

    جواب:الدعاة لا بد أن يكونوا على مستوى؛ يناسب المدعوين, وكل مستوى من المدعوين له من الدعاة ما يناسبه؛ ولكن قد لا يؤثر الداعية الذي هو من أعلى الطبقات الاجتماعيّة في مدعوين من أقل الطبقات، وقد يؤثر الداعية الصغير فيمن هو أعلى طبقة.



    سؤال:ماذا عن الجاليات المسلمة في ألمانيا؟

    جواب:أكثر تجمّع للمسلمين هنا هو تجمّع الأتراك، ويوجد في ألمانيا العرب المشرقيّون، والعرب المغربيون، والباكستانيّون (أكبر تجمّع لهم يوجد في فرانكفورت), والإندونيسيون. وعدد المسلمين في ألمانيا يقدّر بمليونين. وعدد المسلمين الألمان نحو عشرة آلاف. وقد سعينا للحصول على عناوين المسلمين الألمان، فلم نحصل إلا على ألف عنوان فقط، مع أننا نجد الكثير من المسلمين في المدن والقرى. كما أن للإيرانيين مسجد كبير في مدينة هامبورج، أسس في عهد الشاة, ولهم فيه نشاط؛ لأن القائمين عليه شخصيّات مهمّة، حتّى إن بعض أئمّة المسجد صاروا من كبار رجال الثورة الإيرانية.

    وبعض الألمان يدخلون الإسلام عن طريق الشيعة. والمجتمع الإسلامي في هذا البلد, هو مجتمع مصغّر للعالم الإسلامي بتنوعاته, من حيث المذاهب الفقهيّة، والتنظيمات الدينية, كالطرق الصوفية, وغيرها، وهذا ما يجعل وضعنا الدعوي أصعب من وضع أي بلد إسلامي أخر. وتوجد هنا تجمّعات صوفيّة ألمانيّة، فالألماني يعتنق الإسلام بنيّة طيّبة, ولو عن طريق الصوفيّة، ولكن بعض الذين يصلون إلى درجة اجتماعيّة معيّنة من الصوفيين، كالمشايخ الذين يكاد الناس يعبدونهم، تكون أغراضهم ماديّة لا دينية.

    وعلى مستوى أخر؛ فإن الحكومة الألمانيّة, ترحّب بالقاديانيّين, وتمنحهم اللجوء السياسي، وقد أصبح لهم تجمعات, ونشاطات في كل مكان، حتّى في القرى الصغيرة, وللبهائيّة أيضاً نشاط ملحوظ، ومركزهم في مدينة فرانكفورت.



    سؤال:هل يمكن أن تفتحوا مدرسة كاملة لأبناء المسلمين تجمع بين منهج الإسلام, واللغة العربية, والمنهج الألماني؟

    جواب:ليس ذلك صعباً، والذي ينقصنا هو الإمكانيات البشريّة, والماديّة.



    سؤال:هل يمكن للمسلمين أن يحصلوا من الحكومة الألمانيّة على ساعات إذاعيّة, أو تلفزيونيّة؛ لنشر أفكارهم الإسلاميّة؟

    جواب:هذا صعب في ألمانيا، ولكن لو اجتهد المسلمون في طلب بعض الأوقات, فقد تحصل الموافقة بشروط معيّنة.

    وختم الأخ محمد صديق بقوله: لو فهم المسلمون أن الدعوة إلى الإسلام واجبة عليهم, وقام كل واحد بالدعوة في موقعه؛ لنجحت الدعوة.






    المصدر :

    http://www.islamtoday.net
    آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله ، 21-02-2006 الساعة 08:36 AM

  4. #19
    الصورة الرمزية أبو عبد الله
    أبو عبد الله غير متواجد حالياً عضو المتداول العربي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    32,515

    افتراضي مشاركة: المسلمون في الغرب


    المؤسسة الدينية والتدين في الغرب


    د. عزالدين عناية

    من الصواب عند تناول سوسيولوجيا الدين في الغرب التمييز بين قطاعي: المؤسسة الدينية كجهاز وظيفي توظيفي والتدين كظاهرة اجتماعية، معبرة عن تجربة روحية داخل وعي الفرد، لما بينهما من تغاير ولغرض الالمام الموضوعي والجلي بالأمر.
    ففي الراهن الحالي تتلخص مجمل الاشكاليات التي تواجه المؤسسة الدينية الغربية، في مصدرين أساسيين: يعود الأول، الي فلسفة الدوغما التي تصوغ الرؤي وتحكم التوجهات وتضبط المواقف؛ والثاني، الي مظاهر تجليات فعل المؤسسة ونشاطها، وما تمليه عليها تاريخيتها الداخلية من جدل مع الأوضاع المحيطة بها. في ما يتعلق بفلسفة الدوغما، التي لا تزال تميز أكبر أجنحة المؤسسة الدينية الغربية، ألا وهي الكنيسة الكاثوليكية، برغم ما تتحدث فيه عن نفسها، وتسعي لاقناع الخارج به، من قطع شوط في التطور اللاهوتي والتبدل، بعد المجمع الفاتيكاني الثاني (1962 ـ 1965)، لم تغادر بؤرة مقولاتها القروسطية، المتلخصة في مقــولة لا خلاص خارج الكنيسة extra ecclesiam nulla salus ، في موقفها من الأديان الأخري. وارتباط المؤسسة الدينية المتين بجهاز الفعل السياسي، برغم ما هو شائع ظاهريا من فصل بين الدين والدولة، حولها الي مشهد اعلامي بارز موظَف، مولدا ذلك الارتباط خضوعا لمغريات الآلة المشهدية، التي أثرت علي استقلالية الرسالة الروحية، وأغرقتها في مُرائية تتناقض مع الشهود الفعلي لرسالة الناصري. ذلك الولاء الذي ارتضته المؤسسة جعلها تتطلع الي كسب سلطة خلقية، علي المجال الديني العالمي، تحوز فيه المرجعية العليا لكافة الأنماط الدينية، تماثل هيمنة الآلة السياسية البراغماتية، علي مجالي المصالح والمنافع. تتكفل فيها بفرز المشروع من اللامشروع، والصائب من الخاطئ، في حقلي الروحي والخلقي، وهو ما لخصه اللاهوتي الألماني السويسري المنشق هانس كونغ بالسعي لكسب احتكار الحقيقة المتعالية.
    فحين تصير الدوغما وأخلاقياتها مشروطة، وجودا وعدما، بقوي زمنية تقدر قدرها، تكون عرضة لاندماج كلي ضمنها، مهما نأت ظاهرا عن ذلك، ومهما تظاهرت بالاستقلالية والحياد. والموقع الذي تضع المؤسسة الدينية نفسها اليوم فيه، ضمن لعبة آلة الهيمنة السياسية العالمية، أملي عليها عرض وجه انساني مسالم بنسق ديني مشروط بغيره، يتخفي فيه قبح وعنف آلة استغلال سياسية جبارة، تحركها وغيرها من الأدوات التابعة. فالشر لا يستطيع أن يأتي عاريا بل عادة ما تصحبه خلقية يلتف بها ولو كانت نقيضا لما يفعل.
    وفي الزمن الذي ترتدي فيه المؤسسة الدينية ثوب ديمقراطية الاطار السياسي والحضاري الذي يحويها، تحـــاول التعــامل مع غيرها من الديانات والفضاءات الحــضارية بمنــطق البطرياركية. جاء في وثيقة صــادرة عن مجمــع عقيدة الايمان ـ Congregazione per la Dorina della Fede ـ، وهي أعلي الهيئات الفاتيكانية الساهرة علي العقيدة، ضمن تصريح Dominus Iesus ، بامضاء مفتش العقائد السابق، الكردينال جوزيف راتزينغر، الذي يشغل منصب الحبر الأعظم في حاضرة الفاتيكان في الراهن: بالتأكيد، تحوي مختلف التقاليد الدينية وتوفر عناصر دينية، متصلة بالله، وتمثل جانبا من عمل الروح القدس في قلوب البشر وفي تواريخ الشعوب والثقافات والأديان. فبالفعل، يمكن أن تؤدي، بعض الصلوات والطقوس في الأديان الأخري دورا في التحضير الانجيلي، بصفتها فرصا أو بيداغوجيات، تتأهل من خلالها القلوب للانفتاح لعمل الرب. لكن في حد ذاتها، لا يمكن نسبة أصلها لله ولا يمكن أن تتوفر فرص خلاص عبرها، بصفة الأمر حكرا علي الأسرار المسيحية، فلا يمكن تجاهل أن الطقوس الأخري، الممتزجة بالخرافات والأغاليط، تمثل عقبة فعلا أمام الخلاص .
    فلئن تشهد المؤسسة تطويرا لنشاطها وتوسعا لنفوذها، غربيا وعالميا، فانه لم تصحبها انتعاشة للتدين في الداخل، برغم ما قد يتبادر للذهن من ارتباط آلي بينهما. فقد صارت الكنائس والشعائر والصلبان و الخرجات ـ المواكب الدينية التي تجتاح الطرقات الغربية أحيانا ـ فلكلورا شعبيا، كما أصبح رواد الكنائس، من السياح لا العباد، تجلبهم أشهر اللوحات والرسوم الفنية، التي تغص بها الكنائس لا أداء الصلوات أو القداس. كما تراجعت المفاهيم والمعاني الدينية في الواقع العملي بشكل لافت، وهنا اشكالية علاقة الدين بالتدين في الغرب، قلة من تراعيه وقلة من تسعي للاهتداء بتعاليمه، ولكن مقابل ذلك هناك نواة مؤسسية تستميت علي تأكيد حضوره الرمزي في الحياة. وهو ما يمكن تلخيصه بنفوذ حضور المؤسسة وتحلل التدين.
    في الوجه الآخر لنشاط المؤسسة الدينية في الغرب، منذ أن أعيد رسم علاقة الكنيسة بالدولة، علي اثر معركة الفصل الدامية بينهما، تم تدشين الف جديد، حصلت علي اثره تركيبة جديدة في علاقة الديني بالمدني، لا تستند للاقصاء بل الي التنسيق وتقاسم الأدوار. التزمت المؤسسة الدينية فيها بأنشطة فاعلة داخل النسق الاجتماعي العام، لعل أبرزها اسداء نعوت القداسة و التطويب ، التي تمنح لاضفاء الكاريزما علي بعض الأفراد لغاية تمرير خط ايديولوجي من ورائهم. لذلك يلاحظ الكم الهائل ممن أعلنهم البابا الراحل كارول ووجتيلا قديسين ومطوبين، بلغت أعدادهم بالتوالي 476 و 1314، في حين لم يتجاوز مجموع ما أقره البابوات السابقون، عبر تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، 300 قديس و1310 مطوبين.
    كما احتفظت الكنيسة بدور خلقي في السياسة، غالبا ما قادته تنظيمات كنسية عالمية شبه حزبية مثل: أوبوس داي و فكولاري و سانت أيجيديو و كومونيون وليبرسيون و رينيوم كريستي و ليجيوناري كريستيس ، تدعم تكتلات دولية أو تساند أحزابا أو تساهم في انشاء تحالفات، مع تجنب الاغراق المباشر في الفعل السياسي. وقد وجدت الكنيسة نفسها، ضمن هذا الدور، أقدر فعلا علي التأثير في المجالات الاجتماعية والسياسية، في مختلف التكتلات السياسية من أقصي يمينها الي أقصي يسارها، في الداخل والخارج.
    وضمن لعبة تقاسم الأدوار تلك، احتفظت الكنيسة بدور في غاية الخطورة، في مجال السياسة العالمية، يدعم ويخدم الاستراتيجية الغربية العامة، خصوصا فيما اتصل منه بانتقاد الكتل الحضارية الكبري المشكلة للعالم: كالكتلة الاسلامية، والكتلة الكنفشيوسية، والكتلة الهندية، والكتلة المسيحية الأرثوذكسية، التي لا زالت تعاني تناقضا مع الكنيسة الكاثوليكية.
    فقد خلصت المؤسسة الدينية أن مهمتها في مواجهة التحديات الدينية والحضارية الخارجية، وأنه لن يتيسر لها ذلك الا بدعم من قوي الفعل العلماني، عبر مسايرتها والتنسيق معها، وتجنب أي تناطح في ذلك. وحتي وان اختلفت معها في الموقف من بعض أمور الشأن الداخلي الغربي، كما تجلي من خلال رفض مسودة الدستور الأوروبي الذي يساوي بين المسيحية والديانات الأخري بالقارة الأوروبية، أو من حيث التحكم ببعض الفضاءات وصبغها بصبغة دينية أو الهيمنة عليها، فانها تتحاور معها وتضغط بوسائلها، وتتجنب أي تعنت متشدد معها.
    كما تبقي نظرة تلك المؤسسة احتكارية للفضاء الاجتماعي المهيمنة عليه، لذلك برغم أن الاسلام مثلا يمثل الديانة الثانية في عديد البلدان يبقي غير معترف به في العديد منها، كديانة قانونية، ويتعمق ذلك في البلدان ذات التقليد الكاثوليكي، فمثلا في ايطاليا التي تجمع أكثر من مليون مسلم يبقي مسجد المركز الاسلامي بروما الوحيد المعترف به قانونيا، وتبقي كل المساجد الأخري غير قانونية، تلك احدي تناقضات الديمقراطية الغربية عندما يتعلق الأمر بأتباع الرسول محمد (ص).
    وتحاول المؤسسة الدينية، في التاريخ المعاصر، وخصوصا منها تفرعها الكاثوليكي والانجيلي الأمريكي، أن تبقي الحربة المتقدمة للغرب في الاشارة أو التنديد أو التنبيه للعقل السياسي، من نقاط الحذر والانتقاد للعالم الاسلامي أو العالم الكنفشيوسي وغيرها من الفضاءات الحضارية الخارجة عن سيطرتها وهيمنتها. فنظرا لما تملكه تلك المؤسسة من مقدرات علمية، ومراصد دبلوماسية، وارتباطات مع أقليات دينية، كما الشأن في العالم الاسلامي، تحاول من خلالها صنع الحدث الاشكالي الذي يُنتَقَد منه. وضمن لعبة التوظيف تلك، نجد مسيحيي الشرق غالبا ما أخطأوا التقدير، حين اعتبروا الغرب حامي المسيحية، ولم يدركوا أنه مجموعة من المصالح الوطنية المختلفة، استغلت مسيحيي الشرق لتفتيت الامبراطورية العثمانية سابقا، وفي أيامنا لصياغة توازنات قوي لصالح الغرب في منطقة الشرق الأوسط الحساسة.
    أما في ما يتعلق بمسألة التدين في الغرب سأتناول الأمر من خلال معاينات مباشرة للفضاء السوسيوديني: لقد لفت انتباهي الالحاح المفرط في السنوات الأخيرة علي الهوية الدينية اليهودية المسيحية، والأمر ما كان مطلبا شعبيا بل مطلبا مؤسسيا، وكأن هناك هاجسا بتآكل الهوية وبتهديد صامت وخفي لها. لذلك يشتد الاصرار علي تثبيت الرموز الدينية بشتي الأشكال. وأنا جالس أفكر في صياغة هذا المقال، في احد المقاهي المطلة علي ميدان بيازا دلا ريبوبليكا في وسط روما، لفت انتباهي شعار مكتوب بالحرف البارز، متكرر علي أطراف عديد الحافلات روما مدينة مسيحية ، فارتبط في ذهني تخيل ذلك الشعار مرسوما علي حافلات القاهرة أو الجزائر أو دمشق، فماذا سيكون رد فعل السائح الأجنبي، هل سيختزل ذلك في انتشار الأصولية والتشدد، أم سيعتبر ذلك من باب التعبير عن هوية البلد والمحافظة عليها لا غير؟ في مقابل ذلك الالحاح الرمزي الذي تبثه المؤسسة، ألتفت لحضور الدين في الأفراد، فاذا القلوب صحاري قاحلة، تواري منها التدين بمدلوله الروحي الطهري، وصار الفرد في لهث متواصل لتحقيق متعه وكسبه المادي، دون مراعاة قيم الدين وتعاليمه. وحتي بعض الممارسات التي توحي في الظاهر بمدلول ديني، تأتي متناقضة أصلا مع حقيقتها، فعقود الزواج التي تعقد في الكنائس، بعد دفع أجرتها بحسب أسعار الكنائس الفخمة الباهظة والشعبية الأقل تكلفة، حيث تدخل العروس مرتدية الحجاب الأبيض، رمز العفة والعذرية والطهارة من الخطايا فيما مضي، والذي صار شاهدا علي تقليد اجتماعي مفتقد لمضمونه؛ وبالمثل طقوس الممات، المدفوعة الأجرة أيضا، فهي تؤدي علي الموتي من الملاحدة والمضادين للكنيسة أيضا، والأمر ليس من باب التسامح والرحمة والعفو، بل يجري ضمن نسق دورة اجتماعية تقليدية تستوجب وتستدعي القيام بتلك المراسم لا غير، وفي حل من أي ارتباط ولائي لعقائد المؤسسة. الأمر شبيه أيضا في ما يتعلق بطقس التثبيت ، الذي يمارس في الكاثوليكية علي الصبية، وهو طقس يلي طقس التعميد، فغالبا ما يتم اختيار أميمة، بمثابة أم رمزية، للصبي أو الصبية، تكون رفيقة وأنموذجا اجتماعيا ودينيا للمثبَت أو المثبَتة، والحال أن المهدي والمهتدي في قارب التيه معا. لقد اشتكت لي أميمة، قائلة: ماذا سأعلم هؤلاء الصبية دينيا وأنا ملحدة أرفض الكنيسة وتعاليمها وقد تم اختياري لأداء تلك المهمة!؟
    ذلك الحضور الشكلي والفلكلوري للدين، والذي صار سائدا، أفقد الممارسات الدينية معناها، حتي تقلصت أو كادت تنعدم حدود الفصل بين المقدس والمدنس. فقد صادف أن دخلت يوما مرحاضا في منزل عائلة ايطالية لقضاء حاجتي، فهالني ما رأيته، وجدت الكتاب المقدس، بشقيه: العهد القديم والعهد الجديد داخل بيت الراحة، سألت عن سبب تواجده فقيل لي يُتلهي بقراءته أثناء التغوط!
    عملية تفريغ المقدس من شحناته، المتمثلة في المهيب والعجيب والغريب، بحسب تعبير أوتو رانك، حولت الرمز الديني في الغرب الي معتاد اجتماعي، فأن تمارس مومس الفحش وتحمل الصليب في رقبتها، ما عاد يمثل تناقضا مع أبعاد الدين الخلقية، بل صار معبرا عن واقع فراغ المقدس من شحناته وعليائه ونقاوته، مما حوله الي متاع دنيوي مبتذل.
    والحقيقة أن الواقع السوسيوديني الغربي يدفع الانسان بعنف نحو تفريغه من التدين، ان لم نقل باتجاه الالحاد والعداء للدين. فالدين المؤسسي واهية صلة ارتباطه بالفرد، وفي مقابل ذلك يربطه جسر متين مع السلطة ومراكز النفوذ، من خلال تقاسم أدوار لدفع التحديات الآتية من الدوائر الحضارية الخارجية، ولعل دائرة الحضارة الاسلامية هي أشد ما يقلق الغرب اليوم. ويتجلي اغتراب المؤسسة الدينية في الغرب عن جحافل المسيحيين في تناقض المواقف بينهما مما يتعلق بمسائل الأحوال الشخصية، في شؤون الطلاق والزواج والأسرة والحياوة الخلقية البيوايتيك والاعتراف بزواج الجنسيين المثليين، خصوصا في جنوب أوروبا، وما تلاقيه من تشدد ومطالبة بالتسريح بينهما.
    والنمط الذي خلفه استهلاك الدين لم تنحصر آثاره بالمجال الداخلي، بل انعكس ذلك أيضا علي رؤية الآخر، فالغربي من داخل تجربة الدين المأزومة لديه يتعامل مع الأوضاع الدينية الخارجية، فهو لا يتصور تواجد علاقة اجتماعية دينية عادية ومتزنة تتجاوز ما اختبره تاريخيا وما يعيشه حاليا. لذلك بمجرد تطلع الغربي علي فضاء ديني خارجي تحضر لديه اشكالياته الداخلية المتراكمة مع الدين ليتصورها اشكاليات كونية، وعادة ما ينجر عن احتكاكه بالآخر أن يتبدل أكثر عنفا وحنقا، لما صيغت حول ذلك الآخر تاريخيا من صور نمطية ولما رسمت بشأنه عديد اللوحات البشعة، لذلك تري الغربي أكثر شراسة في انتقاد المقدس الاسلامي من انتقاده مقدساته الداخلية، نظرا لما يرتبط به دين الآخر من عداء وصراع في لاوعيه التاريخي، وكذلك لضعف الحماية المؤسسية للدين الخارجي المتواجد بالداخل.
    فعلاقة المجتمع بالدين لدي الآخر، غالبا ما تشابه الأمر علي الغربي في معالجتها، لحظة خروجه من فضائه التقليدي، اذ بتبدل آليات العلاقة الرابطة بين الفرد والتدين والمجتمع والدين، الا ويجد الغربي نفسه خارج معتاده الرؤيوي، فتجده يصدر الاتهامات والنعوت السلبية أو التحليلات المغتربة. لعل أبرز مظاهر ذلك ما ترافق مع موجة العمليات الاستشهادية في فلسطين، والتي عادة ما خلص المحلل الغربي أن الاستشهادي، الذي ينعته بالكاميكاز، يأتي العملية وهو مهووس بأربعين حورية تترقبه عند باب الجنة. والحق أن غياب الالمام بفلسفة الشهادة لدي الآخر وباشكالياته السياسية والاجتماعية، هي ما تجعله يغرق في مخيال مفرط في الجنسانية، يعيش رهينا له، فيحاول اسقاطه علي الآخر.
    ذلك غيض من فيض من أوجه مآسي الدين المنغلق، الذي يعاني منه عصرنا، حيث لا يري العالم الا من داخل التجربة الدينية الذاتية، لذلك تبقي الحاجة ملحة لتشييد الدين المنفتح.

    * أستاذ بجامعة لاسابيينسا بروما



  5. #20
    الصورة الرمزية أبو عبد الله
    أبو عبد الله غير متواجد حالياً عضو المتداول العربي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    32,515

    افتراضي مشاركة: المسلمون في الغرب

    الاسلام والغرب.. من الاحتكاك إلى الاختراق



    * حسن السعيد


    منذ عودة الاسلام إلى المسرح السياسي، واستئناف دوره الميمون.. والعديد من الدوائر المعنية بادارة الصراع منشغلة ـ إلى حد الانهماك ـ بتسخين قضايا سبق وأن سجلت حضورها في تاريخ الفكر، وخاصة على مدى القرنين الأخيرين.
    وبديهي، أن ينصب الاهتمام حول علاقة الشرق بالغرب، أو بعبارة أدق: علاقة الغرب بالاسلام، إذ ما يزال الجدل محتدماً، حول هذه النقطة، مع ضرورة التذكير أن هناك جهات معلومة، وأخرى خفية تحاول دفع الأمور إلى مديات مخيفة من التصعيد، والتعقيد، فالتصادم.
    وليس بخافٍ، ان التلاقي بين الاسلام والغرب ـ بما هما نموذجان حضاريان ـ قد خضع لقاعدة الهجوم والهجوم المضاد المباشرين، على خارطة واضحة المعالم، وفي فترات زمانية غير متباعدة نسبياً.
    على أن من الواضح تماماً، أن الغرب لم يكن هو التحدي الأول الذي واجه الاسلام وإن كان ذلك لا يعفينا من الاعتراف بأنه الأخطر. فلقد مرت فترات من الخطر الشديد ـ كما يقول برنارد لويس ـ كان الاسلام مهدداً فيها، في الوقت نفسه، من الشرق والغرب، غير أن الاسلام تغلب عليها، واجتازها دون أن يتأثر. جاءه الأتراك غزاة فاتحين، فتحولوا إلى مسلمين مؤمنين، وتمثلهم المجتمع الاسلامي الكبير، فانصهروا في بوتقته، وكانوا هم أنفسهم من أقوى أعمدة الاسلام التي أقامت مجتمعاً متدهوراً كاد يفنى اجتماعياً وسياسياً. وبهذه القوة والحيوية تمكن الاسلام من الصمود، بل من دحر غزوات أعدائه الصليبيين الذين جاءوه من الغرب.
    ثم واجه الاسلام، بعد ذلك، ضربتين، أشد وأقصى وأحدث وأخطر فلقد سُحق الشرق الاسلامي مرتين، واحتله الغزاة الأجانب الذين سيطروا عليه بقوة السلاح. وعلى الرغم من أنهم لم يستطيعوا تحطيم حضارته الاسلامية القديمة الأصول، فإنهم (لغّموا) ثقة الذين صانوا هذه الحضارة بأنفسهم، وهكذا حولوا وجهتهم نحو اتجاهات جديدة.
    أولى هاتين الضربتين، كانت الغزو المغولي في أواسط آسيا، التي حطمت الخلافة القائمة، وأخضعت للمرة الأولى، منذ عهد النبوة، قلب العالم الاسلامي لحكم غير اسلامي.. أما الثانية فهي: تأثير الغرب الحديث.
    والذي يبدو أن الضربة الثانية كانت أقصى وأشد خطراً من الأولى. فقد استطاع الاسلام بقوته الذاتية أن يؤثر في التتار (المنتصرين) ويجذبهم إلى ساحته، فتقع المعجزة الاسلامية، ويدخل التتار في دين الله أفواجاً، ويسجل التاريخ ـ مرة أخرى ـ اعتناق الغالبين دين المغلوبين.
    أما الضربة الثانية، فما زال العالم الاسلامي كله يقاسي آلامها، ويعاني آثارها إلى اليوم. ومن نافلة القول أن نذكر بأن ذلك ما كان ليحدث، لولا وجود أسباب ودواع (منها الداخلية ومنها الخارجية)، وهي ما أطلق عليها المفكر الاسلامي (مالك بن نبي) ظاهرة (القابلية للاستعمار)، وفيما يخص الطرف الثاني من المعادلة فان طلائع المستعمر قد جاست ديارنا واطلعت على خبايانا، ومن ثم دخلت (بيت العنكبوت) ـ كما تسميه الجاسوسة البريطانية (غرترودبل) ـ لتتعرف على خيط فيه!
    وهنا، نجد أنفسنا ملزمين باثارة التساؤلات المشروعة والملحة:
    كيف تم ذلك الاختراق الكبير ومتى؟
    وما هي الأساليب التي مكنت الغرب من التسلل إلى ديارنا؟
    وماذا عن: الأهداف، والخلفيات، والأبعاد؟
    ثم ـ وهذا مربض الفرس بالنسبة لمسار البحث ـ من هم أخطر اللاعبين في هذه اللعبة الكبرى؟
    وما هي الطرائق التي تذرعوا بها، وتدرعوا فيها ـ متنكرين ـ كغطاء مناسب لمهماتهم السرية الكبرى؟!
    ان بعض الجواب نجده في المانشيتات وهي تتصدر، اليوم، صفحات كبريات الصحف الغربية، وفي تعليقات نشرات الأخبار، وفي عناوين الندوات المتواصلة التي تنظمها ـ عاد ـ مراكز لابحوث الاستراتيجية ذات الصلة الوثيقة بمراكز القرار، وفي تصريحات هذا السياسي اللامع، وتحليلات ذلك (الاستراتيجي) المرموق.. الخ والتي بجمعها ـ على تعدد مشاربها ـ هذا القلق المتزايد من امكانية أن يستأنف الاسلام مسيرته ثانية.
    كما ونجده في هذا التخريب واسع النطاق، والتشويه المتضمن هذا التحقير المستمر المذهل للاسلام كمنظومة من منظومات الإيمان، باعتراف أحد كبار الخبراء الذين تعتمدهم أوساط الغرب الأكاديمية وهو البرت حوراني.
    ونجده أيضاً في تعامل الخبراء الأكاديميين الغربيين المتخصصين في الاسلام مع الاسلام، إذ تناولوا ـ وما يزالون ـ في الغالب الأعم، هذا الدين وثقافاته المتنوعة ضمن اطار ايديولوجي اصطنعوه، ا, هو اطار مقرر ومحدد ثقافياً، اطار مفعم بالانفعالات العاطفية والتحيز الدفاعي، بل بالاشمئزاز أحياناً، وقد جعلت هذه الخلفية ـ أو هذا الاطار ـ فهم الاسلام أمراً عسير المنال.
    ونجده ـ على أرض الواقع ـ في هذا (التدافع الحضاري) ـ كما يحلو للبعض تسميته ـ هنا وهناك، فمن الاعتداءات المتكررة على الجمهورية الاسلامية ومذابح الابادة الجماعهية لمسلمي البوسنة، إلى مثيلاتها في الشيشان، وصبرا وشاتيلا، وآسام، وعاصفة الصحراء وتداعياتها المرعبة.. وأخيراً وليس آخراً في (قانا) آخر الأدلة الثبوتية على ضلوع الغرب في خطة التآمر على الاسلام، وفي اللحظة التي ينطلق فيها صوت (من داخل الغرب) يتحدى مؤامرة الصمت هذه، تصبح الايديولوجية والأصول العرقية هي الموضوع الرئيس حيث تنهال عليه شتى التهم، ويعرّض إلى ضغوط هائلة وارهاب فكري، من قبيل ما يتعرض له اليوم المفكر الفرنسي المسلم (رجاء غارودي) في أعقاب نفيه حصول مجازر ضد اليهود في كتابه الأخير (الخرافات التي ترتكز عليها السياسة الإسرائيلية). وقد وصف (غارودي) الهجمة الشرسة التي تستهدفه قائلاً: (ما أتعرض له الآن أشبه بعلميات الشنق (في الأشجار دون محاكمة) التي كانت سائدة في أميركا زمن رعاة البقر).
    كل هذا يجري في عالم الغرب، في الوقت الذي يدير فيه هذا الغرب عينيه وبلا مبالاة، إن لم يكن بشماتة، عما يدور من مجازر، يندى لها جبين البشرية، على بعد خطوات من قلب أوروبا ونعني بها الجرائم التي ارتكبت ضد الانسانية في البوسنة.
    والواقع ـ حسب ادوارد سعيد ـ أنك لا تجد شيئاً في دراسة الاسلام (حرّاً) ولا تقرره الضغوط الملحة المعاصرة.. وما أبعد هذا عن الموضوعية غير السياسية التي يزعمها كثير من الباحثين المستشرقين فيما يقومون به، فضلاً عما تعنيه هذه الصورة المختزلة للاسلام من دلالات وخلفيات، وتلا ذلك، تكمن عاقبة أخرى في استمرار الاحاطة بمعنى الاسلام أو رسالته وتطويقه وقولبته.
    نعم، إن هذا (بعض الجواب) ـ كما ذكرنا ـ أما ظلال الجواب ـ على صعوبته غير اليسيرة ـ فيمكن تلخيصه بما يقوله الدكتور سمير سليمان: (ان محاولات تطويق الشرق الاسلامي لابتلاعه بالقوة، واستغلال ثرواته، ونقض مشروعه الكوني، وتخريب أصوله بعد استهلاك انجازاته الحضارية. ان هذه المحاولات، ليست من المستحضرات الايديولوجية المتأخرة زمانياً، بل هي مشروع قديم أنجزت وعوده الكبرى بعد الحرب العالمية الأولى).
    ولو حاولنا تتبع كل خيوط هذه المؤامرة، أو ما يعبّر عنها بنظرية التواطؤ الكبرى، فإن ذلك فوق الطاقة، فضلاً عن أنه يحتاج جهداً ووقتاً، لا نملك من مستلزماتها ما يكفي لانجاز هكذا مشروع واسع، وحتى لو توافر هذان العاملان، وما سبقهما، فان عقبة كأداء تحول دون المضي في إنجاز المشروع على أتم وجه، بسبب أن الكثير من ملفات الاختراق الغربي للمشرق الاسلامي لم يُسمح حتى الآن بالاطلاع عليه، رغم مرور الزمن الطويل عليه. ان ذلك يعتبر من الأسرار الاستراتيجية العليا، التي لا يمكن ـ بأية حال ـ التفريط بها، أو التهاون في التعاطي معها. ولكن ذلك، لا يثنينا من المضي في تسليط بعض الأضواء الكاشفة على عملية (الاختراق) تلك. ومما لا يخفى على الباحثين والدارسين أن الصرح الشامخ للمسيرة الاسلامية قد تعرض لكثير من الأعاصير التي فتحت العيون على وجود تشققات وتصدعات في بنيانها الضخم، ونبعت بهذا القدر أو ذاك من النمط المجتمعي الاسلامي بكل ما حمله في داخله من صراعات.. وما خاض مع خارجه من معارك، وما عرفه من اختراقات، وما مارسه من كفاح ضد هذه الاختراقات، ولعل ما شهده القرن التاسع عشر والقرن العشرون، من اجتياح صليبي واسع النطاق، هو آخر ما شهده المجتمع الاسلامي، من مواجهات تسببت في انقطاع مساره التاريخي، في كل الميادين، وفي مختلف أنماط الحياة، حيث عكف المستعمر على تفتيت وحدة الأمة وتمزيق جسدها الواحد إلى أجزاء، على أساس يقترب غالباً من كياناتها التي سبقت مجيء الاسلام، وطفق يزرع فيها نمطاً اجتماعياً اقتصادياً (حديثاً) تدعمه دولة التجزئة من أجل قطع الصلة أو التواصل بالنمط المجتمعي الاسلامي.

    - الاختراق الحضاري:

    انه الغزو المتعدد الجبهات، والمتنوع الأنماط: عسكرياً، وسياسياً، واقتصادياً.. وفكرياً. بمعنى أنه اختراق حضاري وليس أمنياً، أو سياسياً، كما يبدو لأول وهلة! ولا ريب في أن الاحتلال العسكري، والتحكم السياسي، والنهب الاقتصادي اجراءات أساسية في فرض السيطرة الاستعمارية، لأن الغرب ما كان باستطاعته أن يُحكم قبضته على بلاد العرب والمسلمين إلا من خلال العنف العسكري بداية، ثم إحكام السيطرة السياسية والاقتصادية، ولكن ذلك ما كان كل شيء، لأن قادة الغرب من سياسيين ومفكرين ومنظرين أدركوا أن إحكام تلك القبضة، يتطلب ما هو أبعد وأعمق وأقوى. لقد أدركوا أن الأمر يتطلب تحطيم أسس المقاومة الداخلية واقامة أسس لتبعية دائمة وقيمة.
    تلك هي أبرز ملامح المؤامرة ـ الغزو.. ولعل من أخطر وسائلها القديمة ـ الجديدة اليوم، إنما تكمن في محاولات الاختراق للمؤسسات الاسلامية، ومواقع العمل الاسلامي، ومحاولة الانحراف بها من الداخل، لاخراجها من الاسلام، أو لحملها على ممارسات تشوه صورتها.. ولقد تبين أن طرح القيم الثقافية والسياسية في بلاد المسلمين كان لوناً من الغزو، لتحيق العمالة الحضارية، والثقافية، التي تمكن وتقود للعمالة السياسية.. ومحاولات هذا الاختراق الثقافي، ستبقى دائمة ومستمرة.
    تلك هي حكاية الاختراق، والتي لعب فيها الاستشراق دوراً بارزاً في تشكيل اطار ابتدعته العواطف والأهواء والانحياز والمصالح السياسية. ومن هنا لا يعده بعض الباحثين بأنه أشد انحيازاً من غيره من العلوم الانسانية والاجتماعية وحسب، بل إنه مؤدلج ملوث بأدران العالم.
    وهكذا كان (البناء الاستشراقي)، في بعض مجالاته، حصيلة ونهاية لصدام الغرب مع الشرق، وهو مزيج من العداء السياسي والكراهية.. ان الرحالة والمستشرقين كانوا مقتنعين بانتماءاتهم إلى امبراطوريات استعمارية.. والاستشراق نوع من الارتباط المصلحي بين كتاب أفراد وبين مؤسسات استعمارية، طموح لمعرفة الشرق، من أجل امتداد تلك الامبراطوريات إلى ما وراء البحار.
    وخلاصة القول: ان قوى الغرب الاستعمارية، كانت كالانسان الذي يعمل على فتح شهيته للطعام عبر عملية (القضم والهضم والضم) فلابد من مقبلات، ولم يكن جيش المستشرقين وكتاباتهم سوى تلك المقبلات التي فتحت شهية الاستعمار الغربي في بلادنا، أو بالأحرى (جهاز الرصد المتقدم للادارة الاستعمارية التي هي صاحبة مصالح ومطامع حقيقية في المنطقة الاسلامية).

    - بدايات التعرف على الشرق:

    في هذا السياق، بدأ الغربيون بالتدفق صوب المشرق الاسلامي، وبشكل تصاعدي ملحوظ.. وخاصة منذ النصف الأول من القرن السابع عشر، حيث شهد عدداً متزايداً من العلماء، والتجار، والرحالة الذين اهتموا بالمشرق الاسلامي. وقبل أن يمر وقت طويل حتى توافد إلى الشرق عدد كبير من الرحالة والكتاب والشعراء والرسامين والمصورين والمغامرين والعملاء الأوروبيين لا يمكن ذكرهم جميعاً هنا.
    ومنذ القرن الثامن عشر، بدأ في تاريخ الريادة إلى شبه جزيرة العرب ما يمكن أن يسمى بالريادة الحقيقية، بكل ما في الكلمة من معنى، وكانت أهداف رواد هذه الفترة متعددة متباينة: فبعضهم كانت أغراضه سياسية، وبعض آخر كان من عشاق المغامرات.
    وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومع تزايد قوة أوروبا، وفي ظل تألق العصر الفيكتوري (نسبة إلى الملكة البريطانية فيكتوريا 1819-1901م والتي حكمت انكلترا منذ عام 1838م) تزاحمت، في الشرق، حملات واسعة النطاق، مؤلفة من مجموعات من الجامعيين، ورجال الأعمال والعسكريين، والموظفين، والمرسلين المبشرين، والفنيين والمغامرين.. الخ حيث انجذب العديد من هؤلاء إلى حياة الشرق الساحرة، وإلى أفق الصحراء الواسعة، وحياة البدو الحرة، وكأن الشرق (اكتشاف) جديد لديهم!
    بعضهم جاء يبحث عن الغريب والطريف. وبعضهم عنا لحقيقة والحرية، وبعضهم عن الآثار ومعالم الكتاب المقدس. منهم مَن حمل النوايا التوسعية، وعمل لحساب حكومته. ومنهم مَ، جاء فقط يبحث عن المنطق.. تدفق لم يتوقف في القرون الماضية، خصوصاً في القرن التاسع عشر، لاستكشاف هذا الشرق القريب والبعيد في آن معاً: قريب في المسافة (إذا قورن بالهند والسند) وبعيد في عاداته وأعرافه وأنماط حياته وطبيعته.
    لقد جاب العديد من هؤلاء (رجالاً ونساء) مناطق مختلفة، خلال مراحل مختلفة. وقام بعضهم بنشر الصور عن الأمكنة، التي زارها، وفي بضع الحالات عشقها ومات فيها.
    ثمة ظاهرة مثيرة ولافتة للنظر، في الوقت نفسه، وقد رأينا تصاعد وتائرها، في القرن التاسع عشر وبدايات هذا القرن العشرين، تلك هي تظاهر عدد لا يستهان به من الغربيين الذين جاسوا الديار (وقد استوطن بعضهم فيها سنين عديدة) بالاسلام، وأطلقوا على أنفسهم أسماء اسلامية صارخة، فيما مكث قسم منهم في بيت الله الحرام بضع سنين، وانضوى قسم آخر إلى أروقة الأزهر والنجف، أما الباقون فقد توغلوا في عمق الصحراء، ودخلوا إلى (بيت العنكبوت) ـ كما تقول المس غرترودبل ـ ليتعرفوا على كل خيط فيه، إن لم يتمكنوا من النفوذ إلى ما تحت طبقات الابهام، على حد تعبير ادوارد سعيد.
    وحيال هذه الظاهرة، تفاوتت الآراء، وتباينت الأحكام على النوايا الحقيقية الكامنة وراء اعتناق هؤلاء الاسلام. فهناك مَن يُحسن الظن بهؤلاء، وربما يشيد بهم، لأنهم أشهروا اسلامهم، ويعد ذلك إحدى (مناقبهم) المعتبرة.
    وفي قبال ذلك، هناك مَن يشكك بهؤلاء، وينثر علامات الاستفهام على امتداد خطواتهم، منطلقاً وغايات، ولن يتردد لحظة عن اتهامهم بأنهم كانوا منغمسين في مهمات سرية، من قبيل تلك التي يطلق عليها (عملية اختراق)، خاصة وان جل هؤلاء كانوا خبراء شرقيين، أرسلوا إلى الشرق عملاء للامبراطورية (البريطانية)، وأصدقاء للشرق، وصائغين لبدائل سياسية بسبب معرفتهم الحميمة الخابرة للشرق والشرقيين.

    - النوايا الخفية:

    وأياً كان الموقف النهائي ازاء هذه الظاهرة، وأياً كانت الحقيقة التي تكمن وراءها.. فإن من نافلة القول، أن نذكر بأن الخوض، في مثل هذه المحاولة، لا يخلو من مصاعب ومتاعب!
    فإن المهمة أو قل المهمات التي انبرى لها هؤلاء (سواء أكانت المعلنة أو الخفية) ما يزال يكتنفها شيء غير يسير من الغموض، إذ لم يصلنا من تفصيلاتها سوى الجزء الطافي، فيما لا يزال جبل الجليد غاطساً! وحتى هذه اللحظة، بعد مرور عدة قرون، على الشروع بتلك المهمات!
    وفي حدود علمنا، ليست هناك دراسة جادة مستقلة عن الموضوع، وكل ما هو موجود فعلاً إشارات عابرة ومتناثرة، هنا وهناك، لا تسمن ولا تغني عن جوع، فكان لزاماً جمع هذا الشتات، وإن كان الكثير منه، يختلف في الاتجاه العام، بيد أنه يصب، في النهاية، في مادة البحث.
    إذن، الدراسة بكر، في هذا الاتجاه، وإن كانت هناك محاولة فإنها قد تطرقت إلى الموضوع بشكل عابر، ولم تجد نفعاً كبيراً.
    وربما يُثار، هنا تساؤل: لماذا هذا النبش في القبور.. وقد تجاوز الزمن أمثال هذا الطراز من الموضوعات؟! وأي جدوى من وراء (نفض الغبار) عن ملفات أولئك المغامرين الغربيين، بعد كل هذه المدة المنصرمة، وهم يجوبون ربوع الشرق الاسلامي وفيافيه، ويخوضون تجربة فيها من المغامرة الشيء الكثير، ومن المهمات السرية الشيء الأكثر.. على أن ذلك كله أمسى في ذمة التاريخ.. والدنيا ـ ونحن نطرق بوابات القرن الحادي والعشرين ـ هي غير الدنيا ـ أيام العصر الفيكتوري!!
    ورغم وجاهة التساؤل، بيد أن ما نريد تأكيد هو: ان مغامرات هؤلاء.. شملت رقعة جغرافية واسعة، من برلين إلى صنعاء، ومن دمشق إلى باريس، ومن بغداد إلى لندن، ومن جدة إلى موسكو، ومن فينا إلى بيروت. مسرح واسع لعب فيه كل هؤلاء الناس لعبهم بشروط لا تختلف كثيراً عن شروط اليوم، وإن كانت أكثر إثارة وخطراً. إلا أن أهم ما فيها، هو أن ما بدأه هؤلاء المغامرون الأوروبيون، قبل نحو قرنين، ما زال مستمراً في بلادنا إلى اليوم بأسماء جديدة، وللأهداف القديمة نفسها، كما يؤكد ذلك كاتب علماني عربي.
    وعليه، قد يخطئ مَن يظن أن عصر الاكتشاف الأوروبي للعالم القديم قد انتهى، بعد أن أصبحت جميع الأمور واضحة جلية، وبعد أن تطورت وسائل الاتصالات والمواصلات. فالشعوب والحكومات يلتقي بعضها مع بعض في العديد من المناسبات، والعالم مفتوح على الجميع، ولكن التطور العلمي لا يعني بالنسبة للغربي معرفة كل شيء عن شعوب الشرق وعاداتهم. ولا يعني كذلك أن عامل الاثارة قد اختفى ليكف المغامرون عن خوض غمار البحث عن خفايا الشرق. وهو في النهاية لا يعني انتهاء المصالح، بل ازديادها وتشعبها وتواصل جذورها.
    إن الشرق ما زال ملفوفاً بالغرائب والأسرار بالنسبة للغربيين، وان قصصاً وأساطير عديدة تُصاغ عنه، تدفع العديدين إلى تحمل مشاق البحث، ومخاطر التوغل في أعماق الشرق، لتكون باكورة الأعمال أدباً شيقاً، وملاحظات عميقة، ونظرات ذكية للتاريخ وواقع الحياة الشرقية بل لطبيعة العلاقة بين الشرق والغرب. وقد لا تختلف وسائل النقل، في القرون الماضية، عن الوسائل التي يستعملها مغامرون شباب أو كهول، في سبيل البحث عن الشرق. ولكن الغالب على أدب الرحلات الغربي، في وقتنا الحاضر، هو سرعة الحركة وسرعة الملاحظة.
    ولدينا كتابان من هذا الأدب صدرا بالانجليزية مؤخراً، فالأول عنوانه: (سيراً على الأقدام إلى القرن الذهبي: مشياً إلى اسطنبول) لمؤلفه (جيسون كودوين) والثاني (ما وراء آرارات: رحلة في شرقي تركيا) لمؤلفته (بتينا سلبي) والمؤلفان من الرحالة البريطانيين المرموقين، فكلاهما زار جنوبي شرقي آسيا وجنوبها، وكتب عن الرحلات في هذه البلاد، وكلاهما يمتلك خلفية تاريخية (بالنسبة لكودوين) ودينية (بالنسبة لبتينا الحائزة على درجة علمية في الأديان) بالعالم الاسلامي. والأول زار أوروبا حتى تركيا سيراً على الأقدام، والثانية زارت تركيا، في محاذاة البحر الأسود، حتى آخر نقطة من شرقها، بدراجة هوائية.
    وهنا بودنا أن نتساءل عن طبيعة هذا النمط الجديد من (الرحلات)، خاصة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار خلفية المؤلفين (التاريخية والدينية) والعلاقة بينهما وبين رحلتين شاقتين: إحداهما كانت سيراً على الأقدام.. والثانية بدراجة هوائية!!
    وفي كل الأحوال، تبقى هذه الاثارة صفحة مثيرة، ينبغي التوقف عندها، لقراءة سطورها الأخيرة، التي تجرعنا من ثناياها مرارة الكأس، حتى الثمالة. وما زلنا نغص بعلقم ثمارها المرة، ونحس جميعاً بوطأتها الثقيلة. عبر هذه المواجهة الضارية (الخفية تارة والسافرة تارة أخرى) مع الصليبية الجديدة. لذا فان قدراً من المراجعة الواعية لما حدث ـ وما يزال يحدث في ديارنا ـ لهو ضرورة أمست ملحة، وعلى غاية من الأهمية، لكي نضع أقدامنا بشكل واثق، ونحن نستعيد خنادقنا، في هذه المواجهة الضارية (التي يستأنفها الغرب ضدنا، رامياً بكل ثقله المادي والمعنوي بالاتجاه المضاد لعرقلة الحالة الاسلامية وتدجينها ومن ثم إجهاضها)..ومن ثم لنستبين خطانا في التحرك المأمول.
    إن مشهداً خلفياً لذيول تلك المؤامرة الكبر ى، الدائرة منذ عشرة قرون، نلحظها في الوقت الراهن عبر هذا التحالف (غير المقدس)، بين قلاع الصليبية الجديدة، متمثلة بوكرها اللاهوتي (الفاتيكان) وما يقوم به البابا (يوحنا بولس الثاني) من نشاط مسعور، لضرب الاسلام والمسلمين، بالتنسيق والتواطؤ مع زعيمة الاستعمار الجديد (أميركا) ومخابراتها المركزية، دون التقليل من أهمية التقارب الحاصل بين الصليبية (بشقيها البابوي والعلماني) وبين الصهيونية العالمية. (الأمر الذي يعيد إلى الذاكرة كل الحقد المتراكم عبر قرون مديدة، بكل ما حفلت به من عدائية، ومكر، واختراق، وتشويه، وإسقاط.. في غمار (اللعبة الكبرى) بكل قواها الفاعلة وأهدافها ومراميها ورهاناتها..
    على أن الصورة تبقى مشوشة. مبهمة. ما لم نعمد إلى لململة أجزائها المبعثرة، وهذا ما يستدعي أن نواكب اللعبة أو قل بعض فصولها ومقاطعها المفصلية، ولو بشكل سريع، من بداياتها ومقدماتها المنهجية، حتى نهاياتها ونتائجها المحسومة. كل ذلك ضمن اطار سياقاتها التاريخية، وما قام به لاعبوها الكبار والصغار وهو ما نتركه لدراسات قادمة إن شاء الله.

    http://www.balagh.com/mosoa/garb/qj0qr1a1.htm



    آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله ، 23-02-2006 الساعة 10:08 PM

  6. #21
    الصورة الرمزية أبو عبد الله
    أبو عبد الله غير متواجد حالياً عضو المتداول العربي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    32,515

    افتراضي مشاركة: المسلمون في الغرب

    مراد هوفمان: تجديد الإسلام سيأتي من الغرب



    المنامة - حسام تمام**



    مراد هوفمان

    بوعي أو من دون وعي وقعنا في فخاخ المركزية وصرنا لا نرى الإسلام إلا في اللبوس العربية وربما تدثرها بعض الحواشي الشرقية، وغاب عنا أن الإسلام رسالة الله الأخيرة إلى العالمين دونما تمركز أو انحصار في بقعة جغرافية أو تجمع حضاري بعينه حتى لو كان مكة المكرمة مهبط الوحي. ونسينا أن العالم العربي وإن ظل رائدا في حمل رسالة الإسلام فإنه لا يحتكرها. فغاب عنا أن هناك أصواتا مختلفة واجتهادات أخرى خارج المكان العربي خاصة أن اللحظة التاريخية الراهنة لا تعرف العربية.

    شغلتني هذه القضية وحين قابلت المفكر الألماني المسلم مراد هوفمان في البحرين كانت فرصة أن أطرح عليه بعض التساؤلات في هذه المسألة.

    ومراد هوفمان (ولد في 6 يوليو 1931) لا يحتاج إلى الإطالة في التعريف به فهو سفير سابق لبلاده قضي أكثر من 30 عاما في العمل الدبلوماسي معظمها في بلاد إسلامية تعرف فيها على الإسلام حتى كان إشهاره الإسلام عام 1980 حدثا أثار اهتماما عالميا، وإلى جانب عمله الدبلوماسي كان لهوفمان إسهامات في الفكر الإسلامي بدءا من كتابه الشهير "الطريق إلى مكة" حتى بقية كتبه التي أثارت نقاشات كثيرة في العالم الإسلامي وأوربا مثل "الإسلام كبديل" و"الإسلام في الألفية الثالثة" و"مذكرات ألماني مسلم".

    تحدثنا في عدد من قضايا الفكر والفقه الإسلامي خارج المركزية العربية: سبب افتقاده لرؤية إنسانية عالمية تتسق ورسالة الإسلام الخاتمة، ضعف بل غياب إنتاج فقهي فكري غربي واعتماده بشكل رئيسي على الوافد من الشرق، فهمه لدعوة تجديد الخطاب الديني وحدود وطبيعة هذا التجديد وما إذا كان مرتبطا بالتطورات العالمية الأخيرة وانعكاساتها على الإسلام.



    ** المحرر الثقافي لموقع إسلام أون لاين.نت- القسم العربي



  7. #22
    الصورة الرمزية أبو عبد الله
    أبو عبد الله غير متواجد حالياً عضو المتداول العربي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    32,515

    افتراضي مشاركة: المسلمون في الغرب

    مراد هوفمان: تجديد الإسلام سيأتي من الغرب




    الخطاب الإسلامي و11 سبتمبر

    - يبدو أن الحديث لا بد أن يبدأ وربما ينتهي مع الحدث الأكبر أو أحداث سبتمبر. فالبعض يؤرخ بالحادي عشر من سبتمبر لنهاية حقبة خطاب إسلامي تقليدي ويدعو لتدشين خطاب إسلامي جديد، فما رأيك؟ وهل توافق على تقسيم الخطاب الإسلامي إلى مرحلتين: ما قبل وما بعد سبتمبر؟

    ** لا أعتقد ذلك ولا أظن أن أحداث 11 سبتمبر هي في غاية الخطورة أو هي شيء مهم في تاريخ البشرية، فهي على الأقل ليست أكثر من أحداث أخرى مهمة على الأقل للأمريكيين مثل قصف اليابانيين لميناء بيرل هاربور في الحرب العالمية الثانية... هذه الأحداث (تفجيرات سبتمبر) ليست في غاية الأهمية ولكنها فقط أمر مهم، وسيكون (11 سبتمبر) يوما عالميا ثم تعود بعده الأمور لنصابها؛ فهي أزمة وستنقضي؛ وأعتقد أنها كانت لصالح الإسلام وستخدم مصلحة الإسلام بشكل عام، والدليل هو أن الناس بدءوا يحاولون فهم الإسلام ويسعون إلى البحث عنه وتفهمه.. وعلى سبيل المثال فإن ترجمة معاني القرآن التي قمت بتنقيحها باللغة الألمانية بيعت منها 40 ألف نسخة خلال سنة واحدة.. وهو رقم كبير جدا ويدل على أن الأحداث والصدمات الكبيرة تترجم في نهاية الأمر لصالح الإسلام والمسلمين.

    - لكنها بالتأكيد تركت تأثيرات عميقة على الفكر والخطاب الإسلامي وعلى صورة الإسلام أيضا خاصة مع الضغوط الأمريكية والحملة المتصاعدة على الإسلام؛ فكيف ترى هذا التأثير، وهل تعد آثاره ونتائجه سلبية أم إيجابية؟

    ** أنا في واقع الأمر أعيش هذه التأثيرات، وبالتأكيد فأنا كذلك أواجه شكوكا كبيرة حتى لو كنت من بين المسلمين الذين يلتزمون بالقوانين والقواعد والأنظمة في البلدان التي نعيش فيها.. فقد صار المتعارف عليه هو أنك كمسلم إن لم تكن إرهابيا فأنت "خلية إرهاب نائمة"! يعني أنك كمسلم تمثل دائما خطرا.. لذلك فعندما تسافر مثلا إلى أمريكا فإنك تعامل الآن بشكل مختلف؛ حيث يتم حجزك في المطارات وتنتظر حقائبك لعدة ساعات.. ولكن ما أريد أن أتحدث عنه وهو الأمر الإيجابي ما جرى بعد الأحداث مباشرة؛ ففي مؤتمر "الإسنا" وهو مؤتمر المسلمين في أمريكا الشمالية اجتمع نحو 42 ألف مسلم جاءوا من كل أمريكا الشمالية واجتمعوا في واشنطن وكان معظمهم من الشباب والسيدات اللاتي كن يرتدين الحجاب.. وهذا -في رأيي- هو الرد الإيجابي وهو عدم الاختفاء بل إثبات وجودك وتأكيد موقفك.

    - لكن ما هو تقييمك للخطاب الإسلامي الذي قدمه المسلمون من العالم الإسلامي ومن خارجه تجاه الغرب وغير المسلمين عموما في الفترة الماضية؟

    ** أعتقد أن الدعوة حتى تؤتي ثمارها يجب ألا تكون مركزية بل يجب أن تكون محلية، والسبب في ذلك هو أنه إذا تحدثت بالإسلام بلغة غريبة فإن الناس سيعتبرونه غريبا وسيعامل على أنه غريب، فلا يمكن أن تنشر دعوة إسلامية هندية في ألمانيا فكثيرا ما تصلنا كتب من باكستان والهند مطبوعة باللغة الإنجليزية، فيكون التجليد سيئا والكتابة مغلوطة ومليئة بالأخطاء والورق من نوع غير جيد.. وهو ما يؤدي إلى عزوف الناس عن قراءتها.. وهذه نقطة الضعف الأساسية في الخطاب الإسلامي تجاه الغرب؛ ولذلك ينبغي ألا تكون مستوردة بل لا بد أن تكون من منطلق محلي، بلغة الناس وتقرأ ثقافتهم وتعرف عادتهم حتى تستطيع أن تتحقق الدعوة بشكل فعال.
    آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله ، 24-02-2006 الساعة 07:11 AM

  8. #23
    الصورة الرمزية أبو عبد الله
    أبو عبد الله غير متواجد حالياً عضو المتداول العربي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    32,515

    افتراضي مشاركة: المسلمون في الغرب

    مراد هوفمان: تجديد الإسلام سيأتي من الغرب



    الخطاب الإسلامي والقيم الإنسانية


    - الدعوة الآن لا تتوقف لتجديد الخطاب الإسلامي ولا تكف المؤتمرات والندوات والمطالبات الأمريكية والعالمية للمسلمين بتجديد خطابهم.. فما رأيك في هذه الدعوة؟ وكيف ترى تجديد الخطاب الإسلامي؟

    ** أعتقد أن التجديد يأتي بأن تعيد الأجيال الجديدة قراءة القرآن باستمرار وتسعى دائما لتطبيقه على ما يستجد من أمور، وأعتقد أن كل جيل جديد يأتي بعد الجيل الذي سبقه يجب أن يعيد اعتناقه للإسلام.. وهو ما يعني إعادة فهمه للإسلام ويعيد قراءته.. وللشاعر الألماني المعروف "جوتة" حكمة يقول فيها: إنه يجب عليك الحصول على إرثك حتى تمتلكه؛ يعني لا يكفي أنك ترث الإسلام بل عليك أن تمتلكه وتكتسبه بجدارة.

    - كمفكر إسلامي غربي يؤمن بالإسلام ويعيش في الغرب وخارج نطاق العالم الإسلامي؛ ما رأيك في القول بأن خطاب الإنجاز الفكري والفقهي الإسلامي كان وما زال ضعيفا فيما يخص الدائرة الإنسانية والعالمية؟

    ** أوافق تماما فيما طرحته، وأعتقد بأن هذا هو التوجه المثالي والمفترض؛ فالإسلام دين للعالمين ولا بد أن يكون هناك خطاب عالمي إنساني.. وإذا تحدثنا عن الخطاب الإسلامي في الغرب فإنك لكي تتعامل مع الغرب لا بد أن تعرف الشرق والغرب معا.. ولا يكفي أن تعرف ما يتعلق بخلفياتك الحضارية فقط، فحين تدعو إلى الإسلام في الغرب لا بد أن تكون على معرفة بالغرب والغربيين وبالديانة المسيحية وهذا يساعدك على فهم هذا الغرب والتفاعل معه، وهذا ما أحرص عليه شخصيا في كتاباتي؛ فأنا أتعايش مع الجميع وأعيش الشرق والغرب معا، وأستطيع أن أشرحهم لبعضهم.

    - ولكن أيضا هناك غياب لهذا الخطاب فيما يخص المشاركة في قضايا ومشكلات إنسانية عالمية، وعلى سبيل المثال فإن الحركة العالمية المناهضة للعولمة والهيمنة والمنحازة للمستضعفين والمقهورين رغم تقاطعها مع التوجهات والمقاصد الإسلامية فإننا لا نرى حضورا إسلاميا فيها، فما السبب؟ وكيف يمكن -برأيك- بناء خطاب إسلامي عالمي يستوعب هذه التوجهات الإنسانية العالمية أو يتقاطع معها على الأقل؟

    ** هذا صحيح وهذه ملاحظات حقيقية، هناك توجهات إنسانية تستحق أن نتفاعل معها ونبادلها نفس الاهتمام؛ فالسياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين -مثلا- والدعم غير المحدود الذي تلقاه إسرائيل من قبل الولايات المتحدة هما محل سخط وانتقاد في أوربا وهناك تحركات عالمية مناهضة لهما، في حين أن هناك غيابا مخجلا للمسلمين في مثل هذه القضايا، فلا نسمع عن أي مشاركة إسلامية أو تحرك ضد انتهاكات حقوق الإنسان في رواندا أو أمريكا اللاتينية أو غيرها... بل لا تجد حضورا إسلاميا في هذه الحركة حتى في قضايا تخص المسلمين أنفسهم مثل الشيشان وكشمير وفلسطين، وحتى في حالة البوسنة مثلا فإن الذي تدخل في النهاية لم يكن المسلمين بل الأوربيين والأمريكان، وكذلك في كوسوفو... وأعتقد أن السبب ليس فكريا أو فقهيا بالضرورة بل يتعلق بانقسام المسلمين على أنفسهم وما يعانونه من قمع تحت حكم الاستبداد والديكتاتورية.

    - هناك مشكلة أخرى فنحن نتحدث عن وجود المسلمين وجودا إسلاميا في الغرب قارب نصف قرن لكن الملاحظة أنه لم يتأسس فكر وفقه إسلامي مستقل خاص بهذا الوجود، ولا يزال مسلمو الغرب يعيشون على نتاج ما يبدعه أو يقدمه له العالم الإسلامي المشرقي، فما السبب؟ ومتى نتحدث عن فكر وثقافة وفقه إسلامي غربي مستقل بهم ويعالج مشاكلهم؟

    ** أنا لا أعتقد ذلك ولا أوافقك الرأي على أنه لا يوجد فكر أو فقه إسلامي مستقل في الغرب، بل على العكس من ذلك هناك نتاج فكري وفقهي في الغرب أكثر من الشرق.. فعلى سبيل المثال هناك كتب تنشر باللغة الإنجليزية أكثر مما ينشر بالعربية عن الإسلام.. وفي الغرب هناك مراكز ضخمة يقوم على إدارتها فقهاء ومفكرون كبار يبذلون كل الجهد لخدمة الفكر والفقه الإسلامي مثلا في واشنطن هناك طه العلواني، وفي لندن زكى بدوي... وغيرهم، أقول ذلك عن اطلاع؛ فأنا أقوم منذ فترة بمراجعة الكتب التي تكتب عن الإسلام في الغرب وهو ما يتطلب مني قراءة، وهذا يعني أني أقرأ الكثير مما يكتب عن الإسلام كل يوم وأراجع عشرات الكتب في هذا الموضوع.. وأود أن أقول بأن هناك مفكرين مسلمين في الغرب يعملون ويكتبون بدون رقابة ولا حجر عليهم، وإنتاجهم أساس -في رأيي- لتطوير الإسلام ولتحديد معالمه. إن المسلمين في أمريكا وأوربا سيصبحون -كما أتوقع- قادة لتجديد الحضارة في الشرق. ولتأكيد ما قلته فإنني أضرب مثلا على ذلك؛ فقبل 3 سنوات وجهت لي مؤسسة العبيكان التي تنشر كتبي في السعودية دعوة لإلقاء محاضرة، فكان مما يثير العجب أن نحو 800 طالب استمعوا للمحاضرة وبعد انتهائها تم شراء 1500 نسخة من الكتابين التي قمت بتأليفهما (الإسلام كبديل، ورحلة إلى مكة) والدلالة هنا في أن هناك عدم ممانعة بل رغبة تصل إلى التعطش لقراءة إنتاج فكري إسلامي من الغرب. وتتأكد الدلالة حين تأتي الرغبة من طلاب وأتباع المذهب الوهابي في السعودية! المثال الآخر هو ترجمة المفكر الأوربي محمد أسد لمعاني القرآن والتي صارت من أهم وأكثر الترجمات في العالم.

    - لكن ما زال الاعتماد الأساسي في إنتاج الفكر والفقه الإسلامي في الغرب على المشرق حتى لو تمت الصياغة النهائية في الغرب، والأسماء التي ذكرتها تؤكد ذلك ولا تنفيه؛ فطه العلواني وزكي بدوى وفتحي عثمان.. كلها أسماء تكونت فكريا داخل الشرق، وحتى مجلس الإفتاء الأوربي الذي تأسس لهذا الغرض يرأسه الشيخ يوسف القرضاوي وهو مصري والشيخ فيصل المولوي وهو لبناني وغالبية أعضائه من علماء المشرق.. لذلك أنا أسال: هل أوشك أن تتكون بنية لنخبة إسلامية غربية من كتاب ومفكرين وفقهاء مسلمين غربيين وليسوا مطلعين على الشأن الغربي؟

    ** أعتقد أن ما قلته صحيح، لكن أذكرك بأن هذه الأسماء التي ذكرتها تأثرت كثيرا في بنائها وتكوينها الفكري أكثر بالغرب من خلال وجودهم بالغرب وتفاعلهم معه، وأن تأثيرات الغرب كبيرة وطيبة على نتاجهم الفكري.

  9. #24
    الصورة الرمزية أبو عبد الله
    أبو عبد الله غير متواجد حالياً عضو المتداول العربي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    32,515

    افتراضي مشاركة: المسلمون في الغرب

    مراد هوفمان: تجديد الإسلام سيأتي من الغرب




    الإسلام والمستقبل


    - مستقبل المسلمين الغربيين بعد هذه الأزمة 11 سبتمبر ومستقبلهم.. كيف تراه؟

    ** لا يمكن الإجابة على هذا السؤال بدون التمييز بين مجموعتين من الناس في الغرب، هناك أناس يعرفون بالملحدين حيث لم تعد الكنيسة تؤثر على حياتهم ولا يترددون على الكنيسة، بينما هناك أناس يؤمنون جدا بالديانة ويزورون ويترددون على الكنائس؛ فمثلا في الولايات المتحدة التي تعرف بأنها بلد ديني حتى إنه لا يمكن للشخص أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة ما لم يكن يتردد على الكنيسة، ولكن على العكس في أوربا مثلا الناس إيمانهم بالديانة ضعيف، فمثلا المستشار الألماني نفسه يعتبر ملحدا ويعلن ذلك؛ ولذلك فإن الأمر متروك للإسلام للتعامل مع هاتين المجموعتين.

    العنصر الآخر للإجابة على هذا السؤال هو من الذي يشكل الأغلبية المسلمة في أوربا؛ مثلا في ألمانيا الأتراك يشكلون أغلبية، وفي فرنسا يشكل الإخوة من شمال أفريقيا الأغلبية، بينما بريطانيا يشكل الإخوة الهنود والباكستانيون الأغلبية المسلمة، وقد جاءت كل جالية من هذه الجاليات لأسباب مختلفة؛ فمثلا الأتراك جاءوا لأسباب اقتصادية ولا شيء يمنعهم من العودة إلى بلادهم لأنهم لم يكونوا لاجئين سياسيين، بينما في فرنسا نجد أن مهاجري شمال أفريقيا جاءوا لأسباب سياسية، ومع ذلك ورغم اختلافهم فإنهم جميعا انصهروا مع المجتمعات التي عاشوا فيها رغم أن بعضا منهم كان يفتقد للمعرفة حتى بلغة البلاد التي استقروا بها مثلما هو الحال مع الأتراك الذين هاجروا لألمانيا.

    ولكنني استكمالا لذلك أقول إن الفارق سيكون لصالح مسلمي أمريكا أكثر من مسلمي أوربا الذين جاء معظمهم لأسباب اقتصادية وكانوا غير مؤهلين أو مدربين، في حين كان غالبية مسلمي أمريكا طلابا تدرجوا بعد ذلك في الحياة وأصبحوا أطباء ومهندسين... وتبوءوا مناصب عليا حتى صارت كلمة مسلم عند بعض الأمريكان تقترن بالمليونير وتعني الثراء والغناء، ومن الجميل أنه في واشنطن ونيويورك وبعض المدن الأخرى فإن واحدا من بين كل خمسة أطباء هو من المسلمين.


  10. #25
    الصورة الرمزية أبو عبد الله
    أبو عبد الله غير متواجد حالياً عضو المتداول العربي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    32,515

    افتراضي مشاركة: المسلمون في الغرب


    كيف يتم ترشيد نقمة الشباب المسلم في الغرب على ما يراه من ظلم؟

    بقلم: د. محمد الغمقي
    gham_fr@yahoo.fr

    أثارت التفجيرات الأخيرة في لندن وقبلها في مدريد مخاوف بشأن بروز فئة من الشباب المسلم المقيم في الغرب، لا يجد للتعبير عن نقمته وعن غضبه لما يراه من ظلم سوى اللجوء إلى العنف القاتل والمدمّر. فهناك إشكال حقيقي يجب معالجته بعمق، إذ لا تكفي البيانات – على أهميتها- للتنديد بهذه الأعمال، ولا يكفي ترديد القول بأنّ الإسلام ليس فيه إرهاب وأنه دين تسامح وسلام ورحمة ومحبة.

    والسؤال الذي يحتاج إلى التوقف عنده هو التالي: كيف يُعقل أنّ شباباً متديناً تربّى داخل الغرب، ودرس في مدارسه ومعاهده وترعرع داخل المنظومة الغربية القيمية والفكرية، وسمع عن طبيعة الإسلام وقيمه السمحة وعن حقوق المواطنة وواجباتها؛ ثم يتحول من حمامة سلام إلى قنبلة بشرية تحصد الأرواح وجهود سنوات من بناء جسور الحوار الإسلامي الغربي؟.

    إنّ أمراً بهذه الخطورة يحتاج إلى تحديد استراتيجية عمل لترشيد نقمة الشباب الذي يرى الظلم المسلّط يومياً على الإسلام وبلاد المسلمين، وأحياناً على الأقليات المسلمة المقيمة في الغرب. وهو من المتابعين لما يجري في فلسطين والعراق وأفغانستان وكشمير، خاصة ونحن في عصر الصورة والفضائيات التي تنقل الحدث مباشرة، ثم يتكرّر بثه لمرات عديدة، بحيث يعلق الحدث في الذاكرة ويترك بصماته على شباب تتولد فيه النقمة يوماً بعد يوم.

    بداية الحل تكون بتشخيص الواقع، وأهم محطة تحتاج إلى توقف هي تفهّم نفسية الشباب المسلم المقيم في الغرب، وهذا الأمر ينطبق في أجزاء كبرى منه على شباب متدين في البلاد الإسلامية.


    تفهّم نفسية الشباب المسلم

    لا يختلف اثنان في أنّ مرحلة الشباب دقيقة في حياة الإنسان، لكونها المرحلة التي تتبلور فيها تصوّرات المرء حول نفسه والبيئة التي يعيش فيها والعالم الذي يحيط به. تكفي الإشارة إلى أنّ سورة في القرآن الكريم (الكهف) تمحورت حول قصة شباب صبر على الحق وتمسك به (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى)، في إشارة إلى أهمية دور مرحلة الشباب في تعزيز رسالة الحق.

    كما أنّ هذه المرحلة يطغى عليها نوع من المثالية في الرؤى والمواقف، ولذا تجد لدى الشباب - المتدين خاصة - حساسية ضد كل أصناف الظلم.

    فتراه رافضاً ومحتجّاً على المظالم وعلى المتسببين فيها، ويميل بطبعه إلى الانتقام وإلى ردّ الفعل الحماسي والعاطفي غالباً، خاصة إذا تعلق الأمر بدائرة المقدسات، فإنّ غيرته على دينه تقوده إلى المنافحة عن الدين وعن الحق، أحياناً بالأسلوب الأقصى الذي لا يقبل أنصاف الحلول والموازنات. الإشكال أنّ بعض الشباب يرى الأشياء بثنائية متناقضة: أبيض أو أسود، حق أو باطل، ولا مكان لمنطقة رمادية، ويعتبر ذلك من باب صدق الولاء للإسلام وقضاياه، ومن باب الصفاء والشفافية.

    ولعلّ الكثير من الشباب المسلم التقط من التاريخ الإسلامي الصور البطولية لعلماء ومجاهدين لم يتوانوا عن التضحية بأنفسهم ولم يخشوا في الله لومة لائم، كما أنّ نداء "واإسلاماه" يراود بنات أفكارهم ويذكرهم بهبّة المسلمين للانتصار لامرأة مسلمة تم الاعتداء عليها، ويقارنون بين عزّة المسلمين في ظل التاريخ الإسلامي المجيد، وبين حالة العجز وضعف الإرادة للخروج من الوضع الصعب الذي تعيشه الأمة الإسلامية. والطاقات المتفجرة داخله تجعل هذا الشباب المتحمّس ينظر إلى الأجيال المتقدمة كونها متراخية، بل يحكم عليها أحياناً بالتخاذل وعدم نصرة المستضعفين من الرجال والنساء والولدان وخذلان قضايا المسلمين.

    في هذا الإطار؛ نشير إلى إشكالية تربوية تحتاج إلى علاج عميق، وتتمثل في بصمات التربية والثقافة والعقلية الغربية، وأخطرها كسر هيبة السلطة الأبوية في الغرب عن طريق ثقافة المطلبية والاحتجاج ومفهوم الحرية غير المتوازن، تحت شعار "أنا حرّ أفعل ما أشاء في بدني وفي حياتي"، والشباب الذي تربّى على هذه الثقافة أو العقلية يصعب عليه أحياناً بعد ذلك سماع نصائح وتوجيهات من يكبرونه سناً، فيما يتعلق بخيارات في الحياة أو ببعض القرارات المصيرية أو نوعية العلاقات والصداقات، أو مراجعة بعض المواقف التي لا تتعلق بمجال الثابت من الدين وإنما بدائرة الاجتهاد الواسعة فيه.

    ونتطرق في هذا الصدد إلى قضية المعرفة الشرعية –الدينية، والمعرفة بخصوصيات الواقع. فهناك صنف من الشباب دخل إلى التديّن من باب رد الفعل على المادية السائدة في الغرب، وليس دائماً عن قناعة بأنّ الدين والإسلام خصوصاً منهج للحياة يضمن السعادة في الدارين. وتكون ثقافته الدينية متواضعة جداً، ومحصورة في مجال العبادات وتفاصيلها، بل إنّ معرفته باللغة العربية تكاد تكون معدومة، علاوة على عدم استيعابه لمقاصد الإسلام وفلسفته ولمقتضيات الواقع الغربي ولمعاني المواطنة. ولكن، وتحت ضغط الزخم الإعلامي الذي يختزل واقع العالم الإسلامي في جملة من المآسي، وواقع الجاليات المسلمة في جملة من الإخفاقات وحالة التهميش والإقصاء؛ يجد بعض الشباب نفسه مدفوعاً بنداء الغيرة على الدين وأهله، فيبحث عن فتاوى مستوردة من بلاد إسلامية، تنطلق من خلفية ثنائية دار الإسلام ودار الكفر، وتكرّس فكرة المفاصلة والتصادم مع أهل الكفر، فيتبنّى مثل هذا الخطاب الذي يشفي غليله ويلتقي مع حماسه وانفعاليته، فيجد نفسه مجروراً إلى فخ العنف والتدمير، أو ما يُعرف حالياً بالإرهاب.

    صحيح أنّ الذين يستخدمون العنف هم أقلية، ولكن في المقابل أيضاً إنّ الذين يعبّرون عن قناعة تامة بتبنيهم التيار الوسطي المعتدل ليسوا أكثرية. وهناك ما يمكن وصفهم بالمجموعة الصامتة المتعطشة لفهم دينها، وهم يرتادون المساجد ويصومون رمضان ولكن لا يمكن سبر أغوارهم وما يختلج في صدورهم. وهذا الصنف يسهل انقيادهم إلى من كانت لهم قدرة على التأثير بالكلمة والحجة الفقهية. والإشكال في عدم امتلاك الشباب الأدوات الكافية للتأكد من صحة المرجعية ومدى انسجام اجتهاداتها مع فلسفة الإسلام وتعامله مع الواقع، خاصة إذا كان واقعاً خاصاً كالذي تعيشه الأقليات المسلمة في الغرب. فهذا الوضع يحتاج إلى علماء ومجتهدين عارفين بخصوصيات الواقع.

    ولا يمكن التغاضي عن مسألة نفسية مهمة، وهي أنّ الشباب المسلم المقيم في الغرب يعيش قلقاً داخلياً بسبب قوة الإثارة الجنسية في المجتمعات الأوروبية الغربية، وفي الوقت نفسه يجد صعوبات في امتلاك نصف دينه عن طريق الزواج الحلال بحثاً عن السكينة والطمأنينة النفسية، في ظل ظروف الأزمة الاقتصادية وانتشار البطالة التي تمسّ الشباب من أصل مهاجر بصفة أخص. ولهذا؛ فإنّ خوفه على دينه يدفع البعض إلى مفاصلة الواقع والتشدد والتزمت، ناسياً أنّ هذا الدين عميق ويحتاج إلى المعرفة والترشيد المستمر للحفاظ على التوازن والاعتدال في الرؤى والخطاب والسلوك.


    المطلوب

    بعد استعراض ملامح لنفسية الشباب المتديِّن في الغرب؛ فإنّ المطلوب التفكير والسعي إلى إنجاز بعض المسائل أو تحسين الأداء في إنجازها. وبالنظر إلى تعقد الموضوع؛ فإنّ المسؤولية ملقاة على العديد من الأطراف، أهمها المؤسسات الإسلامية والحكومات الغربية والإعلام الغربي.

    وتتمثل مسؤولية المؤسسات الإسلامية في الغرب أساساً في:

    - تقوية عملية التنسيق بين المؤسسات الإسلامية: وهو موضوع مهمّ من أجل التعاون على تحصين الشباب والمسلمين عموماً من ثقافة التشدد والتكفير. وهذا يعني العمل على مراجعة الخطاب الذي يُقدّم في المساجد بما يخدم السلم الاجتماعي والحوار الحضاري، إضافة إلى نشر الثقافة الإسلامية وتوضيح الفروق بين الثابت والمتحرك في الإسلام، وتوضيح مسالة خصوصية البيئة الغربية وأنّ لكل مقام مقال، وأنّ تقديم بعض التنازلات لا يعني التخلي عن ثوابت الدين الإسلامي، وأنّ الضرورات تبيح المحظورات حسب القواعد الفقهية.

    - إشراك الشباب في المسؤوليات: أهمية هذه المسألة من باب فتح باب الشورى لكل الطاقات دون احتكار على فئة عمرية معينة، وتأهيل الشباب عمدة المستقبل لحمل مشعل خدمة رسالة الإسلام في الغرب، والاقتراب من دائرة القرار من خلال المشاركة في تسيير الجمعيات والمنظمات الإسلامية، وتحمّل المسؤولية حتى لا يشعر بالإقصاء والتهميش. وقد أثبتت التجربة مدى أهمية تواجد شباب واعي في مؤسسات إسلامية، فهم أفضل جسر للتواصل مع بقية الشباب، وجلبهم إلى فضاء الحوار والتوازن والاعتدال، بحكم التقارب في السن وتقاسم الهموم المشتركة.

    - توجيه طاقات الشباب إلى العمل الحقوقي في المجتمع المدني، لتصريف رغبته الجامحة لخدمة الحق ونصرة القضايا العادلة في العالم الإسلامي وخارجه. فهناك العديد من الجمعيات الغربية التي تنافح عن حقوق الشعب الفلسطيني والعراقي وقضايا الحريات في البلاد الإسلامية، ويمكن الانضمام إليها أو إنشاء منظمات أخرى. فالباب مفتوح في البلاد الغربية لمثل هذه الأنشطة.

    - مساعدة الشباب على الزواج من القضايا المهمة لما في الزواج من راحة نفسية وسكينة ومودة ورحمة، وما يترتب عنه من توجيه الطاقات الشباب إلى البناء وليس إلى الهدم، إلى بناء أسر مسلمة تكون صالحة لدينها ومجتمعاتها، بما يعطي للشباب قيمة في الحياة وشعور بالمسؤولية. ويجب في هذا الصدد التفكير جديا في مؤسسة للزواج الجماعي في كل قطر من الأقطار الغربية على غرار ما يحدث في بعض البلاد الإسلامية لحل مشكل الزواج.

    - التعاون مع الحكومات الغربية من أجل إزالة ألغام التوتر وفتيل الصراع، وذلك في الاتجاهين:
    أولاً- التحاور مع هذه الحكومات من أجل الابتعاد عن سياسة الحل الأمني في التعامل مع ملف الحضور الإسلامي في البلدان الغربية، وتذكير هذه الحكومات بضرورة احترام حقوق الأقليات المسلمة ومقتضيات القسط والعدل في المواطنة، بغض النظر عن الاختلاف في الجنس أو الدين أو العرق، علاوة على العمل الجدي على مراجعة المناهج التعليمية فيما يتعلق بالتعريف بالأديان وتاريخها، بعيداً عن كل أشكال التشويه والافتراء.
    ثانياً - التحاور مع صنّاع القرار في الغرب، من أجل مراجعة سياساتها تجاه العالم الإسلامي وقضاياه بما يخدم الحوار الحضاري وحرية الشعوب في تقرير مصيرها.

    - ربط جسور التواصل مع المؤسسات الإعلامية من أجل توضيح طبيعة الرسالة الإسلامية، ومحاولة إقناع القائمين على هذه المؤسسات بالتخلي عن سياسة ترهيب الناس من الإسلام والمسلمين، واحترام أخلاقية مهنة الصحافة.

    بهذه الخطوات، يمكن محاصرة ظاهرة التشدد الديني لدى الشباب المسلم المقيم في الغرب، وتقليص حالة التوجس والخوف من الحضور الإسلامي في المجتمعات الغربية، بما يساعد على توفير الظروف الملائمة للتعايش السلمي بين المسلمين وغير المسلمين في هذه المجتمعات.

    http://www.eu-islam.com/ar

    آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله ، 25-02-2006 الساعة 12:48 AM

  11. #26
    الصورة الرمزية أبو عبد الله
    أبو عبد الله غير متواجد حالياً عضو المتداول العربي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    32,515

    افتراضي مشاركة: المسلمون في الغرب

    اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا


    أسباب زيادة نشاط مسلمي وعرب أمريكا السياسي خلال العامين الماضيين


    علاء بيومي (*)

    أحدث استطلاع لأراء مسلمي أمريكا والذي أصدره مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) في العاشر من أيلول (سبتمبر) الحالي؛ كشف عن حقيقة هامة توقعها البعض وفاجأت آخرين، وهي زيادة نشاط مسلمي أمريكا على الصعيد السياسي خلال العامين الماضيين ومنذ أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 على وجه التحديد.

    فقد ذكر 59 في المائة من المشاركين في الاستطلاع أنّ مجتمعاتهم المسلمة المحلية زادت من نشاطها السياسي والاجتماعي بشكل عام خلال العاميين الماضيين، وتقاربت هذه النسبة من نسبة الذين ذكروا أنهم زادوا من أنشطتهم الشخصية على المستويات الاجتماعية (58 في المائة) والسياسية (45 في المائة) وعلى مستوى الحوار مع أبناء الأديان المختلفة (52 في المائة).

    هذه النتائج تمثل مفاجأة لمن توقعوا انكماش نشاط مسلمي أمريكا وتوجههم نحو الانعزال على المستويات السياسية والعامة بعد أحداث أيلول (سبتمبر) بسبب الضغوط المتزايدة التي تعرضوا لها على مستويات مختلفة منذ أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر).

    وفي ظني أنّ تزايد نشاط مسلمي وعرب أمريكا على المستوي السياسي وفي الحياة العامة الأمريكية كان متوقعاً، نظراً لمجموعتين رئيسيتين من الأسباب؛ ترتبط أولاهما بخصائص المجتمع المسلم والعربي الأمريكي ذاته، وترتبط ثانيتهما بخصائص المحيط الأمريكي العام الذي عمل فيه مسلمو وعرب أمريكا خلال العامين الماضيين.



    الأسباب الداخلية

    على الصعيد الداخلي يمكن القول إنّ مسلمي وعرب أمريكا يمتلكون عدداً من المقومات التي تدفع مشاركتهم السياسية إلى الأمام بشكل مضطرد، وعلى رأسها التالي:

    (1) مسلمو وعرب أمريكا مروا بمرحلة تغيير أيديولوجي هامة خلال العقد الأخير من القرن العشرين على الأقل، وتتمثل أهم معالم هذا التغيير، والتي تعنينا في مقالتنا هذه، في زيادة قناعة مسلمي وعرب أمريكا بمختلف فئاتهم بأهمية المشاركة في الحياة العامة والسياسية الأمريكية.

    وقد كشفت دراسة رعتها المنظمات المسلمة الأمريكية في عام 2000 رصدت توجهات قادة مساجد أمريكا عن حدوث هذا التحول، إذ ذكر 96 في المائة من القادة المسلمين الذين شاركوا في الدراسة إنهم يؤيدون مشاركة المسلمين في مؤسسات المجتمع الأمريكي المختلفة، كما أيد 89 في المائة منهم المشاركة في العملية السياسية، وأيد 77 في المائة منهم فكرة أنّ الولايات المتحدة تقدم نموذجا من الحرية والديمقراطية يمكن أن يتعلم منه المسلمون.

    هذه النسب العالية توضح أنّ التوجه السابق أصبح توجه عاماً في أوساط المسلمين الأمريكيين في أوائل القرن الحادي والعشرين، وأنّ مطالبة مسلمي وعرب أمريكا بالمشاركة في الحياة العامة الأمريكية أصبحت رسالة أساسية يطالب بها المسلم الأمريكي العادي بشكل مباشر ومتكرر.

    (2) الجيل الراهن من المسلمين الأمريكيين يمتلك بعض أهم عوامل تشجيع المشاركة السياسية، وعلى رأسها ارتفاع مستواهم التعليمي، وإحساسهم العالي بقضاياهم السياسية الأساسية، ونشاطهم في العمل التطوعي على المستوى الداخلي على الأقل.

    إذ يُعد مسلمو وعرب أمريكا من أكثر الجماعات الأمريكية ارتفاعاً في مستواها التعليمي، نظراً لأنّ جزءاً كبيراً منهم هاجروا إلى الولايات المتحدة للدراسة فيها، وخاصة على المستويات الأكاديمية العليا، ثم قرروا الاستقرار فيها. وتشير الإحصاءات المتعلقة بهذا الأمر إلى أنّ 48 في المائة من المسلمين المترددين على المساجد هم من حملة الشهادات الجامعية، وهي بلا شك نسبة مرتفعة تبشر بقدرة مسلمي أمريكا على الوعي بالقضايا السياسية وسبل المشاركة في العملية السياسية الأمريكية.

    كما يمتلك المسلمون والعرب الأمريكيون مجموعة من القضايا السياسية الهامة المؤثرة على حياتهم والقادرة على توحيدهم، وعلى رأسها قضايا الحقوق المدنية على المستوى الداخلي، وقضايا السياسية الخارجية الأمريكية تجاه العالم الإسلامي على المستوى الخارجي. وعلى الرغم من أنّ لبعض هذه القضايا تأثيراً سلبياً ضاغطاً على مسلمي وعرب أمريكا؛ إلا أنها في الوقت نفسه توحِّد المسلمين والعرب وتجعلهم راغبين في تغيير واقعهم، بعكس الجماعات المسترخية التي لا تمتلك قضايا تحفزها أو توحدها.

    المسلمون والعرب الأمريكيون يتميزون أيضاً بارتفاع معدلات نشاطهم التطوعي على المستويات الثقافية والاجتماعية داخل الأوساط المسلمة الأمريكية ذاتها، إذ تستطيع 80 في المائة من المساجد في أمريكا العثور على مسلمين راغبين في التبرع لها بأوقاتهم، حتى ولو ببعض عناء قليل.

    ويُمثِّل العمل التطوعي في النطاق الاجتماعي والثقافي العام مصدراً هاماً من مصادرة قدرة أية جماعة أمريكية على المشاركة في العملية السياسية، بشرط ألا يقتصر أعضاؤها على العمل داخلها فقط، وأن يمتد نشاطهم إلى العمل مع المحيط الأمريكي العام، ولكن يستفيد المسلمون والعرب الأمريكيون، على هذا المستوى، بحقيقة أنهم مجتمع معتاد على التبرع للعمل العام.

    (3) مسلمو وعرب أمريكا بنوا خلال العقد الأخير من القرن العشرين عدداً متزايداً من المنظمات المسلمة المعنية بالعمل على المستويات السياسية والإعلامية، وعلى مستوى الحقوق المدنية، وذلك بغرض ترجمة موارد مسلمي وعرب أمريكا واستعدادهم على صعيد المشاركة السياسية إلى قوة سياسية فعلية ومتنامية.

    وقد استطاعت هذه المنظمات، على الرغم من صغر عمرها وقلة مواردها مقارنة بالمنظمات المشابهة لها في المجتمع الأمريكي، تحقيق كثير من النجاحات في مجال توعية المسلمين والعرب الأمريكيين بقضاياهم، وعقد الدورات التدريبية لهم، وتوحيد جهودهم وتطويرها في مجال تسجيل أصوات الناخبين والتصويت ككتلة انتخابية موحدة، وتمثيلهم في العديد من الفعاليات السياسية في العاصمة الأمريكية واشنطن وفي الولايات الأمريكية المختلفة.

    (4) خبرة مسلمي وعرب أمريكا التاريخية تميزت بخاصية هامة، وهي قدرتهم على تحويل الأزمات الكبرى إلى فرص ومساع حثيثة للتنظيم السياسي والاجتماعي، وقد رأينا هذا يحدث بعد أزمة حرب 1967، إذ أُسِّست العديد من المؤسسات العربية الأمريكية، وبعد أزمة حرب الخليج الأولى عام 1991، إذ أُسِّست العديد من المؤسسات المسلمة الأمريكية العاملة على الساحة السياسية في الفترة الراهنة، وقد شهد العامان الماضيان زيادة ملحوظة في مساندة مسلمي أمريكا لأنشطة مؤسساتهم السياسية وفي رغبتهم في بناء المزيد من هذه المؤسسات.



    الأسباب الخارجية

    البيئة الأمريكية المحيطة بمسلمي وعرب أمريكا خلال العامين السابقين وقبلها؛ شجّعت إلى حدٍّ ما مشاركتهم السياسية لأسباب عديدة، نذكر منها ما يلي:

    (1) المسلمون والعرب الأمريكيون يُعدُّون أكثر حظاً من أقليات أمريكية أخرى فيما يتعلق بحجم الحقوق والحريات المدنية المتاحة لها في الفترة الراهنة، خاصة على الصعيد السياسي. إذ لم يضطر المسلمون والعرب الأمريكيون إلى خوض كفاح طويل للحصول على حقهم في التصويت أو في عدم فصلهم عنصرياً كالذي خاضته أقليات أمريكية أخرى مثل الأفارقة الأمريكيين والنساء الأمريكيات، والذين لم يكن يحقّ لهم التصويت خلال فترات تاريخية معينة.

    (2) تبعات أزمة أيلول (سبتمبر) السلبية لم تمتد إلى التضييق على حرية المسلمين في ممارسة دينهم، وقد أشار استطلاع "كير" (مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية) الأخير إلى هذه الحقيقة، إذ ذكر 70 في المائة من الذين شاركوا في الاستطلاع أنهم يشعرون في الفترة الحالية بالحرية في ممارسة دينهم بلا قيود.

    (3) ضغوط أزمة أيلول (سبتمبر) السياسية العديدة على المسلمين في أمريكا، وخاصة فيما يتعلق بنشاط بعض النخب السياسية صاحبة النفوذ والمتطرفة في ولائها لإسرائيل أو لليمين الأمريكي المتشدد في المطالبة بعزل المسلمين والعرب الأمريكيين واستبعادهم سياسياً، لم تستطع إغلاق أبواب المجتمع المدني الأمريكي بمؤسساته المختلفة والعديدة أمامهم، وقد مدّت العديد من الجماعات الأمريكية أيديها لمسلمي وعرب أمريكا خلال العامين الماضيين.

    فعلى سبيل المثال؛ قرّبت خبرة العاميين الماضيين بين مسلمي أمريكا وعدد من أكبر جماعات الحقوق والحريات المدينة، مثل اتحاد الحريات المدنية الأمريكية، والتي انتقدت ما تعرضت له حقوق وحريات مسلمي وعرب أمريكا خلال العامين الماضيين، كما قربت بينهم وبين عدد كبير من جماعات السلام ومناهضة الحروب خاصة خلال فترة الحرب على العراق، هذا إضافة إلى علاقاتهم المتنامية مع الجماعات المدافعة عن حقوق الأقليات في أمريكا، كالأفارقة واليابانيين والسيخ الأمريكيين، التي توحدت شعورياً مع مسلمي وعرب أمريكا خلال الفترة التالية لأحداث أيلول (سبتمبر)؛ رافضين ما تعرّضت له حقوق وحريات المسلمين والعرب من انتهاكات ذكرتهم بمعاناتهم خلال فترات تاريخية أخرى.

    وفي النهاية؛ نحب أن نؤكد على حقيقة أساسية، وهي أن تركيزنا، خلال هذا المقال، على الجوانب الإيجابية من تجربة مسلمي وعرب أمريكا على صعيد النشاط السياسي والمشاركة في الحياة العامة الأمريكية خلال العاميين الماضيين؛ لا يعني إغفالنا بأيِّ حال من الأحوال للتحديات والضغوط العديدة التي مازالوا يتعرضون لها منذ أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، وإنما هي محاولة منا لتركيز الضوء على تلك الجوانب الإيجابية وتوعية المسلمين والعرب في أمريكا وخارجها بها؛ إذا لم يكونوا مدركين لها بالفعل.



    (*) مدير الشؤون العربية بمجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية "كير"


  12. #27
    الصورة الرمزية أبو عبد الله
    أبو عبد الله غير متواجد حالياً عضو المتداول العربي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    32,515

    افتراضي مشاركة: المسلمون في الغرب

    هلموا إلى الحوار.. نداء من أسبانيا


    هاني محمد- مدريد



    رهبان وراهبات مسيحيون، بل وحاخامات يهود في ضيافة مركز إسلامي بقلب العاصمة الأسبانية مدريد.. مسلمون يدخلون للصلاة أو لقضاء مصالحهم (زواج – طلاق – دروس...) في الوقت الذي يدخل رجال دين (يهود ومسيحيون) ومثقفون آخرون للحوار والنقاش، بجوار أولئك الذين أتوا لزيارة المكان ومعرفة المزيد عن الإسلام. حيث يحفل المركز الثقافي الإسلامي بمدريد بالعديد من الأنشطة، ويصفه بعض المثقفين العرب المقيمين في أسبانيا بأنه من أنشط المراكز على المستويين الدعوي والثقافي.

    تجربة المركز تتمثل في مد جسور التعارف والحوار مع أصحاب الديانات الأخرى عبر جلسات الحوار التي تُنظَّم بين الحين والآخر تحت إشراف المركز، حتى إن منطق القائمين على هذه الجلسات يسترعي انتباه كل زائر لهذا المكان.

    في البداية يقول القائمون على المركز: إن دوره ليس قاصرًا على خدمة المسلمين بأسبانيا فقط، بل يمتد لأبعد من ذلك، ساعيًا إلى تعزيز الحوار مع المؤسسات الأسبانية العاملة في المجال الثقافي والعلمي والاجتماعي بغية تحقيق مستوى أفضل من التعاون المتبادل، وبغية أن يكون هذا المركز بيتًا للمسلمين ومنارة إنسانية للجميع.

    وهذا أحد المعنيّين بملف الحوار والمدافعين عنه بشدة، وهو الشيخ الدكتور منير محمود المسيري إمام المركز، الذي نظم وشارك في حلقات الحوار التي تعقد منذ عدة سنوات بالمركز.

    حاولنا أن نتلمس معه الغرض من الحوارات التي تُجرى، خصوصًا أنها تتم في بلد أوربي يتمتع بعدة خصوصيات، أبرزها جذوره الإسلامية الضاربة في عمق التاريخ والحضارة.

    الحوار في استضافة البلدية

    يقول إمام المركز: إن المركز يعقد مثل هذه الحوارات منذ عام 1995، وآخر هذه الحوارات كان في شهر مايو 2003، وفاجأني حين قال: إن الذي قام بتنظيم مائدة الحوار ليس المركز، ولكن بلدية العاصمة مدريد، وإن المركز عرض استضافة الحوار لبيان سماحة الإسلام ولإقامة علاقات بين أصحاب الأديان والملل الأخرى بأسبانيا على أساس الحوار والتفاهم.

    ويضيف: إن الندوة أو مائدة الحوار كانت بين متحدثين يمثلون الرسالات الثلاث: (اليهودية والمسيحية والإسلام)، غير أن الإعلامية اليهودية التي شاركت في الندوة أرادت الاتصال بإسرائيل قبل المشاركة؛ الأمر الذي أثار حفيظة الأسبان منظمي اللقاء، وقالوا لها: "المسلمون بادروا على الفور واستجابوا لدعوة الحوار وعرضوا استضافته، وأنت تريدين الاستئذان لتدخلي في نقاش!!".

    ويقول الشيخ منير إنه جعل عنوان محاضرته خلال اللقاء: "على أي أساس نتعايش؟"، قائلاً بأنه طرح مفهوم التعايش الإنساني كتحديد لمعنى التعايش الذي يبتغيه؛ ذلك أن كلمة التعايش في المطلق قد تعني التعايش على أساس الصراع، وأن يأكل القوي الضعيف وفق منطق الغاب، لكن الإسلام يرى أن التعايش لا بد أن يكون تعايشًا إنسانيًّا بكل ما تعنيه كلمة إنسان، وهو التعايش الاجتماعي والاقتصادي والأمني.

    وركز في حديثه على مفهوم الأمن في الإسلام، وقال: إن الإرهاب أصبح ثوبًا فضفاضًا يُفصِّله كل من أراد أن يلصق تهمة بالإسلام والمسلمين، وإن البشرية اليوم أحوج ما تكون إلى مبادئ التعايش والحوار، بعد أن عانت من قرن مضى مليء بالحروب والدماء، فقد راحت ملايين الأرواح ضحيةً خلال الحربين العالميتين.

    وأضاف إمام المركز أن المشاركين في اللقاء من المثقفين وعلماء الدين البارزين في أسبانيا خرجوا بانطباع جيد لما رأوه من انفتاح المسلمين واستعدادهم للحوار والنقاش، واعتبر أن مثل هذه الحوارات والنقاشات التي يرعاها المركز بمثابة مبتدأ سيأتي خبره -عما قريب إن شاء الله- عبر إقامة عدد من الندوات في الجامعات والمراكز الأكاديمية والثقافية لبيان الوجه الصحيح للإسلام.

    على أي أساس نتحاور؟

    الحوار -كما يراه إمام المركز من منطلقات عقلية ومنطقية- يبدأ بالسؤال التالي: على أي أساس نتحاور؟ فمن المهم أن نحدد الأرضية التي ننطلق منها؛ لأن هذا يساعدنا كثيرًا عند الجلوس على موائد الحوار في الوصول إلى صيغ مشتركة يمكن الاتفاق عليها، وإلا فسنصل إلى كثير من دعوات الحوار ذات الإطار الفضفاض غير المحدد أو غير واضح المعالم، مما قد يؤدي في أحيان كثيرة إلى إخفاق تلك المحاولات، ثم نلقي باللائمة بعد ذلك على الحوار ذاته.

    ويتابع قائلاً: إن كل مبادئ الإسلام تدعو إلى التعايش مع الآخرين، ذلك أن الإسلام يرفض أن يصبغ أي إنسان الآخر بصبغته؛ لأن هذا خطر على سنة التمايز والاختلاف التي فطر الله الكون عليها، فالتنوع أوجده المولى تبارك وتعالى في كل شيء في الوجود، وبالتالي فإن أهم أهداف الحوار هو الوصول إلى أفضل الصيغ للتعايش الإنساني بين بني البشر.

    ويعرج بنا الدكتور منير إلى كتاب الله تعالى، فيقول: القرآن نفسه سما بالحوار بشكل لم يسبقه إليه أي دين أو عقيدة بشرية؛ فالحوار يشكل في القرآن لغة ومعلمًا هامًّا، وللحوار في القرآن تاريخ، فالله عز وجل لم يستثنِ أحدًا من حواره؛ حاور إبليس عدوه، انظر: مالك الملكوت يحاور رمز الشر والعصيان، ويسأله قبل الطرد: "ما منعك أن تسجد إذ أمرتك"؟. كما حاور ملائكته: "قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون"، وحاور أيضًا أبا البشر آدم عليه السلام، وحاور الأنبياء... وكلها كانت قضايا فيها نقاش وسؤال وجواب ودليل وبرهان.

    وكثير من مواقف الحوار لرب العزة سبحانه وتعالى موجودة بالقرآن، مما يدلنا على أنها وسيلة ليست بالمبتدعة وليست للترفيه. هذا بالإضافة إلى أن الحوار كان وسيلة الأنبياء لنشر دين الله، حتى إن قوم نوح الذين ظل يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عامًا ملوا من حواره وقالوا له: "يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا"، والمقام لا يتسع هنا لذكر الآيات الأخرى التي تدعو إلى الحوار والجدال بالتي هي أحسن، وبعد كل هذا ما زلنا نناقش: هل الحوار ضرورة أم لا؟!

    حالة حوار مستمر

    نشاط الدكتور منير المسيري -كما عاينَّاه- لا ينصب فقط على المهام الموكلة إليه من إمامة للصلاة وإبرام عقود الزواج والطلاق فقط، بل إنه يقوم بإعطاء دروس للمسلمين ولغير المسلمين، بالإضافة لمحاضرات وإصدار الكتب. وهو يؤكد أن الدعوة في أسبانيا تؤتي أكلها، وهناك كثير من الأسبان دخلوا في الإسلام وأعدادهم في ازدياد. ويمكن أن نصف تلك الأنشطة التي يقوم بها بأنها حالة من الحوار المستمر. ففي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر ألقى الدكتور منير عدة محاضرات في أماكن متفرقة بأسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية عن الإسلام والحوار ونبذ العنف، وخلال تلك المحاضرات كان يقول: إنه يسعى إلى ترسيخ مفهوم الحوار والتعايش في الإسلام، وتثبيت الخط المعتدل غير المائل في نفوس وقلوب المستمعين، بغض النظر عن ديانتهم وتوجهاتهم، دون إفراط أو تفريط، ذلك أن الحوار يوفر الأمن الإنساني النفسي والاجتماعي والاقتصادي، وهو ما ينشده الإسلام.

    ويتساءل إمام المركز: إذا كنا نتعايش مع غير المسلم في بلادنا العربية والإسلامية بسلام، فلماذا لا نتعايش معه في بلاده أيضًا؟!

    الإفراط أخطر


    الشيخ منير محمود

    وفي معرض حديثه عن الحوار وأهمية إرساء مفهوم السلام في الإسلام، يعتبر الدكتور منير أن خط الإفراط أكثر خطورة على الأمة من التفريط؛ ذلك أن المجتمع يعرف من هو المفرط المتسيب، ويعرف أن من يقوم بهذا الأمر يأتي شيئًا مستهجنًا غريبًا لا يقره أحد، أما من يتبنى خط الإفراط فإنه يخدع نفسه ويخدع الناس بمظهره، كمن يضع السم في العسل، فيشوه من حوله فكريًّا وسلوكيًّا، وتدفع الأمة في النهاية ضريبة هذا الغلو.

    وينفعل الدكتور منير وهو يقول: على العلماء أن يتركوا الحجرات المكيفة وينزلوا إلى الشباب في كل مكان، ويتركوا مسائل الحيض والنفاس ويتوجهوا لبناء موقف الإسلام الصحيح من دعوات الإرهاب والعنف.

    ويبدي إمام المركز قلقه على مستقبل الحوار كصيغة تفاعل بين المسلمين وغيرهم، ويقول: أصبح الحوار متهمًا من قبل بعض العلماء والمثقفين نظرًا لما يسمونه عدم الفائدة أو انعدام الجدوى منه، وربما لدوافع أخرى خفية لا تهدف إلى التعايش وإنهاء فرض ثقافة بعينها.

    ويرى الدكتور منير أن المسلمين يجب ألا يتركوا الحوار يأسًا من الواقع المعيش مهما كانت الأسباب، فليس لدينا ضعف أو خوف على عقائدنا، وديننا أقوى من أن تهزه أي حجج مهما كانت، وما الذي يضطرنا لترك ساحة الحوار مع أصحاب الأديان والمذاهب والأفكار الأخرى وليس لدينا ما نخشاه من أن يُسيِّر أحد الأمور بغير إرادتنا، طالما أننا نتكلم بكل ما نريد.

    ويختتم الشيخ الدكتور منير المسيري حديثه قائلاً: يجب على كل مثقف اليوم ألا يكون أسيرًا لخيارات ثقافية أو أنماط معينة فرضت عليه، حتى الحوار ذاته عليه ألا يقبل أيضًا أنماطًا لا يرتضيها، بل يقبل ما يرتضي منه نوعه وكيفيته

    islamonline.net


    آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله ، 28-02-2006 الساعة 12:59 AM

  13. #28
    الصورة الرمزية أبو عبد الله
    أبو عبد الله غير متواجد حالياً عضو المتداول العربي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    32,515

    افتراضي مشاركة: المسلمون في الغرب

    الخطاب الإسلامي في الغرب بين الإشكاليات والبناء
    الجزء الأول : الخطاب ومناطق الظل



    بقلم د. خالد الطراولي



    توطئة

    "نحن والغرب" كانت صيغة ومفهوما قد طبعا الخطاب الإسلامي عموما طيلة عقود من الزمن، حيث تعددت الضفاف وجعلتنا في خنادق متقابلة. كان غياب المسلمين عن الغرب إلا من رحلات عابرة، أو بعثات دراسية، قد ساهم في انتشار هذه الحالة، كما دفعت العلاقات المتوترة بين الشرق والغرب طيلة عقود من الزمن، اكتنفتها صدامات وحروب وصراعات إلى استفحال هذا المفهوم. وكان للاستعمار الدور الكبير في تأزيم هذه العلاقة وتوتيرها في القرون الأخيرة. ولعل الموقف من الحداثة إجمالا قد دفع الخطاب الإسلامي أيضا وفي بعض مراحله إلى التمترس والوقوف في الخط المقابل.

    "نحن في الغرب" هي الصيغة الجديدة لعلاقة جديدة بين جزء من هذا الشرق الذي استوطن هذه الديار، وبين هذا الغرب. ولأول مرة يصبح المسلمون أقلية، بعد أن كان هذا المفهوم يعني غيرهم في ديار الإسلام، وبعد أن فتحوا له أبوابا في فقههم وعايشوه في ممارساتهم. وفي ظل هذا الواقع الجديد، ينبثق الخطاب الإسلامي الجديد، في وطن جديد، هذا الخطاب الحساس والمصيري، والذي يحمل على أكتافه وجود واستقرار و مصير جماعة وثقافة وتصورات ورؤى ودين!


    أ ـ تحديد الإشكاليات

    تعترض كل خطاب أيا كان مصدره، وتفعيلاته إلى إشكاليات عند التنظير والتنزيل، وتحوم أغلبها حول ثلاث مستويات: - تحديد ماهية الخطاب نفسه، حتى نعلم منهجه وأهدافه، - والإلمام بصفات حملته وما يتميزون به من وعي ورشد وعلم، - ثم الإحاطة بالإطار الذي يتنزل فيه حتى نحكم ضفافه ونكنه خصائصه وأساسياته. ولا يخرج الخطاب الإسلامي في الغرب عن هذا النطاق من إشكاليات الماهية والحملة والإطار:


    1/ الإشكالية الأولى: ماهية الخطاب

    كيف ستكون ماهية هذا الخطاب تاريخا وجغرافيا، هل هو خطاب استقراء، من دعوة للماضي، ولكن أي ماضي، ماضيهم أم ماضينا؟ أم هو خطاب استشراف، استشراف حالنا عن حالهم، أم استشراف حالنا داخل حالهم، أم استشراف حالنا جميعا دون استثناء؟ هل هذا الخطاب جماهيري بحت أم أنه تتقاسمه أبعاد سياسية وثقافية-فكرية وشعبية؟ ماهي الأدوار المناطة بكل فريق والإطار الأصلح والمناسب لعمله؟ هل هو خطاب واحدي يحمل تصورا وحيدا ورؤية منفردة، أم متنوع ومختلف ومتعدد؟

    هل يكون هذا الخطاب تراكميا وتوفيقيا، أم جذريا وتوليديا واستكشافيا؟ وما هي علاقته مع الخطاب الإسلامي عامة؟ هذا الخطاب الحديث الذي تشكل عموما عبر موقفه من الحداثة والاستعمار فتولد عنه في البداية خطاب توفيقي انتقائي، ثم في مرحلة متقدمة أصبح خطابا جذريا استكشافيا غير توفيقي. لعل هذا المسار الذي تَمثَّلَه الخطاب الإسلامي العام في محطتي التوفيق والتوليد، لا يصلح لهذه الحال، فلا محطة التوفيق لوحدها قادرة أن تقدم شيئا للمجتمع الجديد وتساهم في إثراء أبعاده الإنسانية من ثقافة واجتماع وسياسة واقتصاد، إذا اقتصرت على التلفيق والتقليد والانعزال عن الفعل والمبادرة، ولا محطة الجذرية والتوليد قادرة لوحدها للبناء دون إحداث التوجس والقطيعة والمواجهة، فالتربة حساسة وتحمل قابلية الرفض والممانعة. لذلك فإن الأصلح والأسلم أن يكون الاستكشاف داخل التوفيق، والجذرية في نطاق المقبول والمسموح والمنشّط للعلاقة والدافع لرقيّ البلد ونجاحه.

    وإذا كان هذا الخطاب متجذّرا في أصوله الإسلامية التي تتجاوز الزمان والمكان، كما تجاوز الخطاب المسيحي أطر بلدانه، فإن تأثير الواقع ومتطلباته يجب أن يصبغا أبعاده الاجتهادية ومناطق الفراغ الكثيرة التي يحتويها، لنجد الخطاب الإسلامي الأمريكي، والخطاب الإسلامي الأوروبي، والصيني، والأسترالي..الخ. وهذا ليس تشتيتا للخطاب ولحامليه ولكنه اعتبار لدور الواقع في التأسيس وعدم القفز على الثوابت واحترام السنن والعقليات والثقافات المحلية، حتى يكون هذا الخطاب غير منبت عن واقعه ولا يعيش ازدواجيات مرهقة ومفلسة تبعده عن إطاره وترمي به قي مثالية مريبة ومميتة، وفي وطنية مهزوزة تحزن الصديق وتفرح الخصم. إن الخطاب الإسلامي عموما وفي الغرب خصوصا ليس قرآنا منزلا ولا حديثا معصوما، وإنما هو اجتهاد ورؤى وتصورات يحددها الزمان والمكان. وإذا كان هذا الخطاب واحديا في الثوابت والأصول وفي مرتكزاته الشرعية، فإنه يظل متعددا في الرؤى والاجتهادات والتنزيل.

    حمل الماضي لا يجب أن يصرفنا عن حياة اللحظة، فعنصر الأمس من موروث وعرف وتقاليد إيجابية لا يمكن أن تكون عنصر تزمت وانعزال وانسحاب عن ساحة الفعل والمبادرة، ثم أن هذا الماضي يجب أن يستوعب ماضي الآخرين ولا يرى فيه غير الجدب والفراغ والعداء. فالماضي الغربي مليء في بعض أيامه وخاصة عصر التنوير بالكثير من المقاربات والتصورات والفرضيات التي دفعت بالبشرية إلى منازل التحضر وحقوق الإنسان، وهي بالتالي تمثل عناصر لقاء وحوار بين الموروثين على أساس البقاء للأصح. لذلك فإن استقراء هذا الماضي ذو الوجهين في الخطاب الإسلامي يُعتبر دليل صحة وتجاوز وبناء مع الآخر، وركيزة سليمة لاستشراف جماعي لهذا المستقبل ولهذا الوطن الذي يتوحد الجميع تحت مظلته.


    2/ الإشكالية الثانية : حملة الخطاب

    لعل أول ما يتبادر إلى ذهننا ونحن نحدد معالم هذا الخطاب أن نتساءل عن ماهية حامليه، من الذي سوف ينال شرف ومسؤولية تقديم هذا الخطاب، فكل إناء بما فيه يرجح، وتحديد الحامل وشروط الحمل الصائب هو جزء من نجاح الخطاب في الوصول إلى مبتغاه. ليس بدعا ولا مفاجئة أن يكون أعلم الناس وأجودهم وأثقفهم وأكنهم بالواقع وأعرفهم بمستجداته هم الذين يكونون على هذا الثغر. وإذا كنا قد صنفنا سابقا هذا الخطاب إلى ثلاثة أقسام، جماهيري وفكري وسياسي فإن النخبة والعامة تمثل عناصر لقاء المثقف والسياسي والجمهور والأداة المثلى في حمل هذا الخطاب حسب اختصاصات وفعالية كل طرف. وتعترضنا أول هذه الإشكاليات، كيف تحمل الجماهير خطابها وكيف تعيشه ولمن توجهه؟ كيف يحمل السياسي خطابه، كيف يمارسه، وعلى من يطرحه؟ وكيف يحمل المثقف والمفكر خطابه الفكري والثقافي، كيف يتعامل مع موروثه وموروث غيره، ولمن يدلي به؟

    يطغى على حاملي الخطاب الإسلامي في الغرب صنف مهيمن غادر بلاد الأصل نتيجة ظروف معينة يغلب عليها طابع الفشل في ميدان ما، ففشل البعض اقتصاديا ولم يستطع كفالة نفسه وأهله معيشيا، فهاجر طلبا للرزق ولحياة أفضل، وفشل البعض سياسيا ولم يستطع التواجد في إطار لا يسمح بغير الصوت الواحد واللون الواحد، فهرب بدينه ومعتقده وتصوره، وفشل البعض الآخر نقابيا أو اجتماعيا وحتى ثقافيا. حتى أصبح تفكير المهاجر في بعض نواحيه وفي مناطق الوعي واللاوعي تفكير محنة وأفكار زنزانة، أو خطاب حنين وبكائيات! فيكون حاملا لخطاب أزمة وسواد وقتامة، فيظهر ذلك في الكثير من الرؤى والتصورات تجاه هذا الواقع الجديد الذي يعيشه دون أن يكون جزء من تاريخه، وإن كان يمثل الآن جزء من جغرافيته. فهل يمكن تجاوز صبغة الأزمة في الخطاب الإسلامي في الغرب؟

    إن حملة هذا الخطاب لا يزال أغلبهم تجمعهم ببلاد الأصل حنين لا يُرَد، وثقافة وآمال الرجوع والاستقرار، وخاصة أصحاب الهمّ السياسي الذين بقي الرجاء والأمل وإعادة الحقوق المهضومة صفة ملازمة وشبه قارة لديهم، وحتى توريثها في جانب منها إلى أبنائهم، وهو شيء تُفهَم أبعاده النفسية والاجتماعية، لكن لا يجب أن تؤثر هذه الحالة على مقوّمات الخطاب وأهدافه وطريقة عرضه، وهو ما نخاله صعب التحقيق في ظل هذا الإطار المزدوج بعض الشيء.

    إن حملة هذا الخطاب يجب أن تتوفر فيهم ثلاثة شروط لصلاح المسعى ونجاح المسار :


    الاستقلالية التامة فكرا وممارسة عن بلدان الأصل، وإلا فإن دورهم يقتصر على النصح والمراقبة.

    الاعتبار بدور الوسيط في هذه المعادلة بين أجيال سابقة ولاحقة. فهم وسطاء، لا أجراء ولا ملاك لهذا الخطاب، بين تاريخ هم يحملونه، وجيل يتبعونه، إلى مستقبل يمكن أن لا يكونوا حاضرين فيه وإلى جيل غير جيلهم.

    مرحلية المهمة المناطة، فهم يشكلون محطة في مسار يتجاوزهم إلى آفاق أوسع ولعله أعقد.



    3/ الإشكالية الثالثة : حول مفهوم الغرب

    ما هو هذا الغرب الذي سوف نوجه إليه هذا الخطاب؟ هل هو نفسه تاريخا؟ هل هو نفسه جغرافية؟ هل الخطاب الموجه إلى أوروبا هو نفسه الموجه إلى أمريكا؟ هل هذا الخطاب هو نفسه الموجه إلى فرنسا وإنقلترا مثلا؟ هل هو الغرب الحاكم أم الغرب المحكوم؟ هل هو الغرب السياسي، أم الغرب الثقافي أم الغرب المعرفي؟ هل هو الغرب السياسي بثقافته ومعرفته، أم الغرب الاجتماعي بثقافته وعلومه؟

    كثيرا ما كان مفهوم الغرب في العقلية الإسلامية مرتبطا بالتاريخ أكثر من الجغرافيا، وبالماضي البعيد والقريب أكثر من اللحظة والمستقبل، وبالتكتيك أكثر من الاستراتيجيا، وظل هذا التشخيص بين مد وجزر وله بعض مبرراته في الإطار الاستعماري والاستعبادي والاستغلالي الذي حباه، والحروب والمناوشات المتبادلة طوال حقبات طويلة من الزمن، حتى ولّد أخيرا ما صطلح عليه بالصراع بين الحضارات، وهو نهاية مطاف غير سعيدة وغير مجدية تنبئ عن عمق الأزمة بين كل الأطراف.

    وحتى نتجنب بلطف الحديث عن هذه العلاقة بين الشرق كثقافة وتاريخ وحاضر، والغرب عموما، والتي لا يتسع لها هذا المجال، فما يعنينا في هذه الورقة هو هذه العلاقة المحدودة بين جزء من الشرق من جهة، والغرب من جهة أخرى، داخل الإطار الغربي، بين أجزاء من هذا الغرب نفسه، حيث أصبح هذا الشرق"المغرّب" جزء منه. لم يعد مقبولا أن تكون منهجية الحديث عن الغرب من منطلق اختلاف الضفاف، ونحن والغرب، ونحن والآخر. فالغرب إن لم نكن جزء من تاريخه وثقافته الماضية ومقوماته السالفة، فنحن الآن قطعة من نسيجه وجزء من يومه وغده. لهذا وجب تحديد الغرب الجديد من خلال أنفسنا ودورنا المرتقب داخله، فليس الغرب التاريخ الذي يعنينا ولكن الغرب الوطن الذي نعيش سُحُبه وضيائه.

    لهذا فخطاب الانعزال والتقوقع والانسحاب مرفوض ومضر بالبيت وأهله والضيوف، ويدفع إلى الفرقة والنبذ، ويجعل من المسلمين غير مواطنين أو مواطنين من درجة عليا أو سفلى، ليس لهم نفس الحقوق ونفس الواجبات التي تجمعهم بالمواطنين الآخرين. إن حق المواطنة يفرض على الخطاب الإسلامي أن يكون وطنيا، وأن يمثل لا حقا أحد الخطابات المتعددة والمتنوعة التي تمثل الغرب بأقليته الإسلامية الجديدة. فالغرب الجديد في الخطاب الإسلامي يجب أن يقطع مع خطابات الخنادق والضفاف، لأن المسلمين أصبحوا يمثلون جزء منه، يفرحون لفرحه ويحزنون لحزنه ويهمهم ما يهمه. وحتى إن اختلفت الرؤى والتصورات فهي تبقى اختلافات داخل المجموعة الوطنية الجامعة، ككل نقد وتعدد للآراء يحميه القانون والعرف، في إطار ديمقراطي رشيد.

    nawaat.org

  14. #29
    الصورة الرمزية أبو عبد الله
    أبو عبد الله غير متواجد حالياً عضو المتداول العربي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    32,515

    افتراضي مشاركة: المسلمون في الغرب

    الخطاب الإسلامي في الغرب بين الإشكاليات والبناء
    الجزء الثاني : مدخل لبناء الخطاب



    بقلم د. خالد الطراولي






    1/ هذا الخطاب هو خطاب الوسطية والجمالية، وقد تناول محمد عمارة في الخطاب العام الإسلامي [1] ذكر بعض محدداتها عبر ثنائيات نزيد عليها : الله والإنسان، الفكر والمادة، الجبر والاختيار، الوحي والعلم، النص والاجتهاد، الدين والدولة، الرجل والمرأة، الفرد والجماعة، الطائفة والأمة، الوطنية والإسلامية،، دار الإسلام ودار العهد. وتتشكل فسيفساء هذا الخطاب الوسطي والجمالي عبر الإجابة الميسرة والموضوعية والبراغماتية لهذه الثنائيات.

    ولعل فقه الموازنة يعتبر خير الطرق والوسائل لملامسة هذه الثنائيات وغيرها حتى ينجلي البعد الوسطي والجمالي لهذا الخطاب. وهي موازنة "بين المصالح بعضها وبعض من حيث حجمها وسعتها ومن حيث عمقها وتأثيرها، ومن حيث بقاؤها ودوامها، وأيها ينبغي أن يقدم ويعتبر وأيها ينبغي أن يسقط ويلغى...(وكذلك للمفاسد)..والموازنة بين المصالح والمفسد إذا تعارضتا بحيث نعرف متى تقدم ردء المفسدة على جلب المصلحة، ومتى تغتفر المفسدة من أجل المصلحة." [2]

    2/ وهو خطاب سلمي تعارفي، وهذه السلمية ليست ظرفية ترتبط بحالة الضعف والقلة التي نعيشها، ولكنها حالة مبدئية وهيكلية وحاسمة للخطاب، لا رجعة فيها ولا تردد، تستمد أصولها من المقدس الذي نحمله والذي تجعل من بني الإنسان أخوة متعاونين ومتعاضدين قبل اختلاف العقيدة والرؤى والتصورات والمقاربات "اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه أنا شهيد أن العباد كلهم أخوة"[حديث]. وهي ليست رمزا خافتا لمرحلة فانية وظرفا متعديا، ولكنها ميزة ثابتة لمشروع هداية، شعاره "يأيها الناس ادخلوا في السلم كافة" [البقرة 208 ] لتنفض الكثير من الغبار عن ترهلات في تاريخنا، وتأويلات منحرفة في حاضرنا أضرت بنا قبل أن تضر بغيرنا.

    3/ وهو خطاب نحو الإنسان، حتى أن الصفة الملحقة به يجب أن تتمثل البعد الإنساني فيكون الخطاب إنسانيا ذو توجه إسلامي. لقد كان القرآن كتابا إنسانيا في طرحه وفي جمهوره [يأيها الناس، يابني آدم، يأيها الإنسان]، كان كتابا للإنسان وليس كتابا للمسلمين، وهذا يجعل الخطاب يحمل توظيفا دقيقا لهذا الإنسان وتوظيفا مناسبا له فيه التكريم والتشريف والاعمار والاستخلاف.

    4/ وهو خطاب المرافق والدليل لفهم الإسلام وليس خطاب الأستاذية، حتى في جانبه الأخلاقي التي علا فيه صخبنا، وقدناه تنظيرا وأفلسنا فيه ممارسة وتنزيلا. فخطاب المعية يؤدي إلى إثراء ونقاش حول أشياء تبدو مسلمات بالنسبة لنا وهي غير ذلك عند الآخر، على عكس الأستاذية التي غالبا ما تنحو منحى الجمود أو التحرك في نفس النقطة.

    5/ هذا الخطاب توفيقي أساسا، فإذا كانت هناك فجوة قائمة دائما بين الخطاب والفكرة من ناحية، والواقع من ناحية أخرى، فلأن الخطاب يكون غالبا أقرب إلى المثالية، إذ أنه نتمتع بمنهجيتين لطرق هذا الواقع، إما تغييره بالمجاهدة [ولكن هل هذه مهمتنا؟ وهل هي من مصلحة الخطاب ومصلحة ضيوفه؟]، أم نتوافق معه عبر استنباط الدلالات من النصوص، وطرق باب الاجتهاد بكل قوة وإخلاص، وهذا يستلزم جرأة وعلما ووعيا، يقول الدكتور جمال الدين عطية في شأن الفقه العام، والحديث جائز في غيره : " ولكن الذي لا ينتبه إليه الكثيرون هو ضرورة إعادة النظر في المسائل القديمة، أي الاجتهاد مجددًا في المسائل القديمة. فإن من المقرر أن لتغير ظروف الزمان والمكان والأشخاص أثره في تغير الاجتهاد والفتوى. ولا نوافق على حصر دور المجتهد في هذه الحالة على الانتقاء من بين الآراء القديمة رأيًا يكون أصلح أو أوفق ولو كان مرجوحًا في نظر أهل الترجيح من القدماء. فللمجتهد المعاصر أن يصل إلى رأي لم يقل به الأقدمون طالما أن له مستنده الشرعي في هذا الاجتهاد. ونحن لا نوافق على مقولة إنه إذا كان للقدماء ثلاثة آراء في المسألة (أو أربعة) فللمجتهد المعاصر أن يختار أحدها وليس له أن يقول برأي رابع (أو خامس) لم يقل به أحد من قبله، على أساس أن الآراء القديمة استنفدت بالقسمة العقلية جميع الاحتمالات؛ فهذا حَجْر على المجتهد لا أساس له من الشريعة" [3].

    وهنا يطرح بقوة ماصطلح على تسميته بفقه الأقليات والذي لنا عليه بعض التحفظات، لأننا لا نريده أن يبقى في مستوى فقه الفتوى والنصيحة وردّ الفعل ودعها حتى تقع! ولكنه يجب أن يكون له تصور كامل ومستقل عن الفقه العام، في مستوى أصوله على الأقل. ليس فقه الأقليات فقه الضرورات والحاجات والنوازل والمصالح المرسلة، وليس فقه العابد ولا العالم فقط، وليس فقه الواعظ والعارف فقط، بل هو كل ذلك، هو فقه رجل الشرع ورجل الاختصاص. وهو ليس فقها اقتصاديا فقط يفتي بجواز التملك والتصرف فقط، ولا يجب أن ينحبس مدراره في قضايا الفقه العام المتنوعة والتي غلب عليها في تاريخنا الجانب العبادي والشعائري وضمر البعد السياسي والحقوقي، بل يجب إدراك ما للسياسة من دور أساسي في استقرار الجالية وتمرسها بوسائل المدنية الجديدة وتعاملها في إطار ديمقراطي رحب وتعددية فكرية وسياسية متمكنة، والتركيز على بروز فقه سياسي متطور يحترم الموروث الاجتهادي نقدا أو تجاوزا ويثبت المقدس ولا يتخاصم مع الواقع.

    لقد عدّد الدكتور القرضاوي تسعة ركائز لبناء وبلورة فقه الأقليات، نعتبرها تلم بالنواقص و تضفي شروطا موضوعية وواقعية لنجاح الخطاب الإسلامي في الغرب ونجاح هذه الأقلية في التفاعل السليم مع محيطها، وهي على التوالي: لا فقه بغير اجتهاد معاصر قويم، مراعاة القواعد الفقهية الكلية، العناية بفقه الواقع المعيشي، التركيز على فقه الجماعة لا مجرد الأفراد، تبني منهج التيسير، مراعاة قاعدة تغير الفتوى بتغير موجباتها، مراعاة سنة التدرج، الاعتراف بالضرورات والحاجات البشرية، وأخيرا التحرر من الالتزام المذهبي [4].

    علينا أن نبحث إذا عن الثوابت في خطابنا التي لا تقبل التغيير وحصرها، والبحث عن ثوابت الواقع الغربي التي لا تقبل التبديل، والتحرك إثر ذلك في متغيرات الواقع واجتهادات "المبدأ"، بوعي وفهم داخل مؤسسة ومن خلال خطة عمل.

    6/ وهذا يجرنا إلى صفة أخرى لهذا الخطاب، وهو أنه خطاب مؤسساتي، تحمله مؤسسة وتنزّله مؤسسة، بما يحمله هذا المصطلح من آليات وقوانين تبعدنا عن الفردية والمذهبية والطائفية واللاواقعية. خاصة ونحن في مجتمع المؤسسات ولا يمكن أن توجد لنفسك ولخطابك قدما وصوتا إذا كنت تغردّ خارج السرب، بعيد عن المؤسسة من جمعيات ونوادي ومراكز وأحزاب.

    7/ لهذا الخطاب أولويات في التنظير والتنزيل، ونعود في هذا إلى مصطلح لم يخلو منه خطاب إسلامي، وهو فقه الأولويات، أو فقه المرحلة كما يقول فهمي هويدي، أو فقه المسار وفقه محطاته. وهو الفقه الذي يعني وضع كل شيء في مرتبته، فلا يؤخر ما حقه التقديم أو يقدم ما حقه التأخير، ولا يصغر الكبير ويكبر الصغير، كما يقول الشيخ القرضاوي.

    وهذه الأولويات يحددها فقه بالأحكام وبالضوابط من ناحية، وفقه بالواقع من ناحية أخرى، فالحالة الفرنسية مثلا وما تمثلها اللائكية من وجود قانوني وثقافي وتاريخي متميز في البلد ولدى المواطن، تدفع إلى رؤية وأولوية لمعالجة قضية العلاقة بين الإسلام والعلمانية وحسم هذه الثنائية قبل غيرها، على عكس المجتمع البريطاني مثلا الذي تنعدم فيه هذه الثنائية أو لا تطرح فيه بمثل هذه الحدّة.

    8/ إن حسن عرض هذا الخطاب يمثل جزء من نجاحه، وهو محدد أساسي لتمكنه، فحسن عرض البضاعة جزء من تسويقها وشغف الناس بها. فالكلمة الطيبة وسعة الصدر والحوار الرصين وقبول الآخر، واللين والرفق، والمعاملة على أساس البرّ حينا والقسط أحيانا أخرى، تمثل مناهج عمل وتعامل، تقارب ولا تباعد، وتبني ولا تهدم وتضفي على تواجد الخطاب وحامليه شرعية وتقبلا وتيسيرا ينعدم في أطر أخرى ومن خلال مناهج الرفض والانعزال والعداوة."ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"[النحل 125] "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني"[يوسف 108] فلا ننسى أبدا أننا مازلنا ضيوفا على أهل الديار حتى وإن تم الاستقرار، فذهنية الضيف عند الآخر وتخوفه على ثقافته واجتماعيته، لا يزالان قائمين ويجب تفهمهما، وأن تاريخ تواجدنا لا يزال لم تجف أحرفه، ويجب التعامل معه بلطف ورفق وصبر ومجاهدة للنفس وكثيرا من الأناة.


    nawaat.org


  15. #30
    الصورة الرمزية أبو عبد الله
    أبو عبد الله غير متواجد حالياً عضو المتداول العربي
    تاريخ التسجيل
    Dec 2005
    المشاركات
    32,515

    افتراضي مشاركة: المسلمون في الغرب


    الخطاب الإسلامي في الغرب بين الإشكاليات والبناء
    الجزء الثالث : هجرة الحبشة والنموذج المنشود




    بقلم د. خالد الطراولي




    بالرغم من أن هجرة الصحابة الأوائل إلى الحبشة لم تكن هجرة استقرار وتوطين، غير أنها وقعت في ظل أوضاع محيطة إقليمية وجهوية وداخلية ونفسية تشبه في الكثير منها أحوال المسلمين في هذا الزمان، حيث كانت حال الاستضعاف و العسر والغربة والتهجير واللجوء التي عاشها المسلمون الأوائل تماثل نسبيا ما يعيشها أحفادهم اليوم، من ديار غادروها لم يسعدوا بجوارها إلى أرض فيها بقية من عدل وصدق. "فلما رأى رسول الله ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية لمكانه من الله ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم : لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه" [1]. ورغم أن كتب السيرة لم تتوقف كثيرا عند السنوات الطوال التي قضاها هؤلاء الصحابة ضيوفا لدى ملك الحبشة، غير أنها أثبتت بعض الدروس والمغازي التي لم تستنفد أغراضها، والتي يمكن أن تمثل نبراسا في طريق التعامل الرصين والواعي والرشيد بين المهاجر وبلاد الهجرة.


    كل امرىء من عباد الله مضطهد * * * * * ببطن مكة مقهـور ومفتــون
    أنا وجــدنا بلاد الله واسعــة * * * * * تنجي من الذل والمخزاة والهون



    كانت اللقطات الأولى لهذا اللقاء التاريخي بين المهاجر المستضعف في دينه والفار بحريته والمكبل بانتماءاته، وبين المجتمع الجديد الممثل في طبقته العليا وحكامه، أول المشاهد المعبرة والمحددة لهذه العلاقة، فإما قبول وسماح بالتواجد والاستقرار، أو رفض ومنع وطرد. فكان الخطاب الأول مصيريا، وكان هذا اللقاء محدّدا للبقاء أو العودة، لذلك وقع اعتماد الأكفأ والأنسب والأصلح حملة ومضمونا لإيصال هذا الخطاب، فتكفل جعفر بن أبي طالب بالرد.

    1/ وضوح الخطاب والثقة في النفس، وعدم اعتماد الظاهر والباطن، وترك الخطاب المزدوج، فلا خطاب للداخل وآخر للخارج ولكن مبدئية وشفافية حتى تُبنى العلاقة على أساس من الثقة والأمانة والاحترام المتبادل "ثم أرسل (النجاشي) إلى أصحاب رسول الله (ص) فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا :نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن" [2]

    2/ الأخلاق العالية نظرا وممارسة التي حملها المسلمون في خطابهم الأول، من ورفعة وتواضع وشجاعة وتركيز على البعد القيمي والفضيلة والحرية والعدل التي يحملها مشروعهم الفارين به، وترك لما سواه من رذائل وفحش وظلم : :"أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسئ الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف...حتى بعث الله إلينا رسولا منا... وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات... " [3].

    3/ حسن العرض والمنهجية السليمة والرقيقة في تقديم الخطاب، فقد اختار جعفر سورة مريم وما بها من رقة ومشاعر ولطف في قصة مريم والمسيح عليه السلام، حتى بكى النجاشي واخضلّت لحيته وبكى أساقفته حتى اخضلّوا مصاحفهم.

    4/ فن العلاقات العامة وإتقان اللطف في المعاملة، واحترام منازل الرجال ودرجاتهم "فلما قهرونا وظلموا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلَم عندك أيها الملك" [4].

    5/ قوة الإقناع وقبول الحوار والمناظرة مع الخصم والصديق على السواء.

    6/ المشاركة في معايشة هموم البلاد وأحداثها بالقدر المسموح به، والمساعدة على نصرتها ونجاحها بالوسائل المتاحة ولو بالدعاء. فقد نزل أحد الرجال ينازع ملك النجاشي ووقعت بينهما معركة فاصلة، لم تسمح للمسلمين المشاركة المباشرة فيها مع جيش الملك غير أن الجميع بقوا يتابعون الأمر بوجس وخيفة على النجاشي وأقاموا الأدعية لنصرته " فدعونا الله تعالى للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده..فو الله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن إذ طلع الزبير وهو يسعى فلمع بثوبه وهو يقول: ألا أبشروا فقد ظفر النجاشي، وأهلك عدوه، ومكّن له في بلاده...فو الله ما علمتنا فرحنا فرحة قط مثلها" [5].

    7/ سعة الصدر والقبول بالاختلاف بين أصحاب الخطاب وعدم التعرض لمن انزوى برأي ولو كان في المعتقد والدين نفسه. فقد تنصر عبيد الله بن جحش بعد أن كان مسلما لما قدم أرض الحبشة، فكان إذا مر بالمسلمين يقول: فقّحنا وصأصأتم، أي قد أبصرنا ولم تبصروا بعد. فلم تقع بينهم مشادات ولا تكفير ولا مضايقات وهو ما لم تذكره السيرة.

    8/ التدرج في المكاسب والرضاء بالنتائج القليلة في إطار من الانسجام الجماعي، والاستقرار والنجاح للبلاد وأهلها وعدم القفز على الواقع والقبول بالعمل في نطاق المسموح والمناسب، حتى لا يقع المحظور من رجّ عنيف وردّ أعنف منه، فينهزم المشروع وذووه، ويخيب المسعى. فقد أسلم النجاشي وأعلم بذلك صحابة الرسول (ص) وأخفى إسلامه على قومه، خوفا من بطشهم له ومعرفته لهم بشدتهم ورفضهم استبدال دينهم. ولم يسع المسلمون إلى تجاوز هذا الخط واكتفوا بهذا النجاح البسيط، واحترموا الرجل ومواقفه، ولم يدفعوه إلى إظهار دينه والدخول في مواجهة يمكن أن تلحق الأذى به وبالبلاد والعباد وبالمسلمين أيضا.


    ختاما

    إن هذا الخطاب الإنساني ذو التوجه الإسلامي في الغرب، يبقى نجاحه رهين حملته وأعضائه، ولا يبقى حبيس النظرية والإنشاء، ولكن يجب أن يتمثل في ممارسة واعية ورشيدة، يدخل الأسواق والمتاجر، ويستأنس داخل البيوت والغرف، ويشعّ عبر سلوكيات حضارية في المدرسة والطريق والنوادي، حتى لا يكون النموذج النظري في واد وممارساتنا في واد آخر فنخسر على المستويين، نظر فيه نظر، وفعل عليه حجر وتوجس وعداء. ولعل من تأويلات الأثر المشهور عن رسول الله (ص) "أن الدين سيعود غريبا كما بدا فطوبى للغرباء"، أن مصطلح الغريب يكون من الغرابة، وهو ما سوف يلقاه هذا الخطاب عند غير بني ذويه. والغرابة محطة نفسية وثقافية يليها إحدى المسارين، إما تفهم وقبول وحتى تبني، أو رفض ومواجهة وعدوان، فإما الطوبى أو الخسران، وهذا يبقى رهين منهجيتنا في التعامل، وطريقة عرضنا لمشروعنا، ومدى وعينا بأمسنا ويومنا ومستقبلنا. كانت هجرة يوسف عليه السلام مثالا حيا للهجرة السليمة والاستقرار المفيد والمستفيد، من بدوي في الصحراء إلى حافظ لخزائن البلاد في الحضر، أحسن إلى قومه وعمل للصالح العام، فخدم مشروعه الإنساني وأفاد وطنه ومجتمعه وذويه.

    nawaat.org

    آخر تعديل بواسطة أبو عبد الله ، 03-03-2006 الساعة 02:19 AM

صفحة 2 من 35 الأولىالأولى 1234567812 ... الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. انظروا ماذا قالوا عنا نحن المسلمون .. تلك بعض اقوالهم ..
    By ابو منيف in forum استراحة اعضاء المتداول العربي
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 17-03-2010, 01:50 AM
  2. ولفنسون يطالب العرب بوقف الاستحواذ على مصارف الغرب
    By التحليلات والأخبار in forum البيانات الاقتصادية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 14-11-2008, 06:12 PM
  3. لماذا المسلمون
    By محمد العزب in forum استراحة اعضاء المتداول العربي
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 23-01-2008, 12:57 AM
  4. كيف غير المسلمون وجه العالم
    By ahmed hanafy in forum استراحة اعضاء المتداول العربي
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 22-08-2006, 09:19 PM

الاوسمة لهذا الموضوع


1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33