قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم﴾[الرعد/11].




لا يستقيم فهم الآية الكريمة حتى يعرف معنى الباء في (قوم) وفي (أنفسهم) وكذلك معنى (قوم)، وأيضاً معنى (ما). أما (الباء) فهي للمصاحبة كأن الشارع استصحب تغيير ما في القوم بتغيير ما يلزمه في النفس.


وأما (القوم) فهي تعني الفرد كما تعني الجماعة (المجتمع).


وأما (ما) فهي من ألفاظ العموم وعمومها هنا راجع لتغيير أي شيء في القوم بتغيير كل ما يلزمه في النفس. هذا هو واقع الآية لغةً أي (حقاً إن الله لن يُغير أي شيء في الفرد أو المجتمع حتى يغيروا كلّ ما يلزم في النفس).


أما واقع الآية فكرياً فهو أن ما يُغير هو إما الفكر وإما العمل. أما باقي الأمور كالسلوك أو أية حالة كالنصر والهزيمة فهي راجعة إلى الفكر والعمل لأنهما الأصل والباقي فروع عن الأصل. إذا عرفنا ذلك فإن تغيير ما يلزم في النفس يصبح معروفاً وهو المفاهيم لأنَّ الذي يؤثر في الفكر والعمل ويوجه الفكر والعمل هو المفاهيم.


ودعونا نتجول قليلا فى التفاسير المختلفة لنفهم هذه الأية الكريمة أكثر


قال الشنقيطي: قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ {الرعد:11}. بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه لا يغير ما بقوم من النعمة والعافية حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة الله جل وعلا. والمعنى: أنه لا يسلب قوما نعمة أنعمها عليهم حتى يغيروا ما كانوا عليه من الطاعة والعمل الصالح، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ {لأنفال:53.
وقوله: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ {الشورى:30}. وقد بين في هذه الآية أيضاً: أنه إذا أراد قوما بسوء فلا مرد له، وبين ذلك في مواضع أخر كقوله: وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ {الأنعام: 147}. ونحوها من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ يصدق بأن يكون التغيير من بعضهم كما وقع يوم أحد بتغيير الرماة ما بأنفسهم فعمت البلية الجميع، وقد سئل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثير الخبث. اهـ.


قال الشوكانى تعقيبا على هذا الحديث :
فليس المراد أنه لا ينزل بأحد من عباده عقوبة حتى يتقدم له ذنب ، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير
وقال الشيخ محمد رشيد علي رضا في تفسير المنار:
وأما ذنوب الأمم فعقابها في الدنيا مطرد، ولكن لها آجالا ومواقيت أطول من مثلها في ذنوب الأفراد، وتختلف باختلاف أحوالها في القوة والضعف كما تختلف في الأفراد بل أشد، فإذا ظهر الظلم واختلال النظام ونشأ الترف وما يلزمه من الفسق والفجور في أمة من الأمم تمرض أخلاقها فتسوء أعمالها وتنحل قواها، ويفسد أمرها وتضعف منعتها، ويتمزق نسيج وحدتها، حتى تحسب جميعا وهي شتى - فيغري ذلك بعض الأمم القوية بها، فتستولي عليها، وتستأثر بخيرات بلادها، وتجعل أعزة أهلها أذلة.




وقد تتوالى عليها العقوبات فتبحث عن أسبابها، فلا تجدها بعد طول البحث إلا في أنفسها، وتعلم صدق قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ {الشورى:30} ثم تبحث عن العلاج فتجده في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ {الرعد:11}. وإنما يكون التغيير بالتوبة النصوح، والعمل الذي تصلح به القلوب فتصلح الأمور، كما قال العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم إذ توسل به عمر والصحابة بتقديمه لصلاة الاستسقاء بهم: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يرفع إلا بتوبة..انتهى


ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا اللهم احمى مصر وشعب مصر من الفتن ما ظهر منها وما بطن
{وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين